النظامي يوجه رسالة إلى المعنيين بقطاع الإعلام في الأردن

7 د للقراءة
7 د للقراءة
النظامي يوجه رسالة إلى المعنيين بقطاع الإعلام في الأردن

صراحة نيوز– خليل النظامي

رسالة لـ وزير الاتصال الأخ والصديق العزيز الدكتور محمد المومني
رسالة لـ نقيب الصحفيين الأخ والصديق طارق المومني
رسالة لـ مدير هيئة الإعلام الأخ والصديق بشير المومني

غياب الصحفيين عن الفضاء الرقمي فتح الطريق لـ الكراهية والفتنة

ما جرى وما زال يجري عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة في الأردن ليس مجرد خلاف عابر،، ولا نقاش حاد بين فئات اجتماعية محلية،،

فما نراه اليوم من خطاب لـ الكراهية،،، وتحريض على الإقصاء،،، وتبادل لـ الاتهامات بين الأردنيين والفلسطينيين، يكشف مشكلة أعمق من ذلك بكثير تتمثل بـ أن الفضاء الرقمي العام ترك دون حضور صحفي مهني محترف،، ومعروف انه حين يغيب الصحفي يتقدم المؤثر،، ويتحرك الذباب الإلكتروني،،، وتنتشر الروايات التي تقوم على الشحن والتعبئة لا على الفهم والتحقق والتحليل،،،

والاحصائيات والأرقام تشرح حجم الخلل بوضوح،، فـ عدد مستخدمي الإنترنت في الأردن تجاوز 10.2 مليون مستخدم، بنسبة انتشار تقارب 92% من مجمل السكان، وهذا وفقا لـ تقارير Digital 2026،،، وهذا يعني أن منصات التواصل الاجتماعية الرقمية أصبحت الساحة الأساسية التي يتابع فيها الناس الأخبار ويتبادلون المواقف والأراء،،

وفي مقابل هذا ،، فلا يتجاوز عدد الصحفيين المسجلين في نقابة الصحفيين الأردنيين 1375 صحفيا، الكثير منهم غير ممارس،، وبعضهم لا يستخدم أصلا منصات التواصل الاجماعي،، وبعضهم يستعلي على التواجد على هذه المنصات،، وهنا يظهر التباين الكبير بين جمهور واسع جدا،،، وجسم صحفي محدود العدد والتأثير على هذه المنصات،،،

ويزداد هذا الخلل وضوحا حين نعرف أن المواطن الأردني يقضي في المتوسط نحو 3 ساعات و45 دقيقة يوميا على منصات التواصل وفقا لـ بيانات DataReportal،، وخلال هذا الوقت الطويل يتعرض المواطنين بشكل مكثف ومستمر لـ محتويات سياسية واجتماعية وعاطفية متدفقة،، وحين لا يجدون الصحفي المهني حاضرا بينهم،،، يتلقون هذه المحتويات من مؤثرين أو حسابات مجهولة،، أو من صفحات تعمل بلا ضوابط مهنية،، أو من ذباب الكتروني،، وهكذا يصبح من يملك الحضور هو من يملك التأثير،،،

هذا يفسر أيضا تراجع مكانة الصحافة التقليدية عند فئة الشباب،، فـ بحسب دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية خلال 2025 و2026، والتي كشفت عن أن %72 من الشباب الأردني يفضلون استقاء الأخبار والمعلومات من المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي،، وهذا الرقم لا يعني أن المؤثر صار أكثر مصداقية من الصحفي،،

ولكن المعنى الأوضح هو أن المؤثر صار أقرب إلى الناس،،، وأسرع في الوصول إليهم،،، وأكثر حضورا في يومهم الرقمي،، أما الصحفي المحترف،، ففي كثير من الحالات انسحب من هذا الاشتباك اليومي وترك المساحة فارغة لأسباب معروفة وبعضها غير معروف،،،

وهذا الغياب لم يفتح المجال فقط أمام المؤثرين، بل فتح الباب أيضا أمام خطاب الكراهية خاصة في القضايا الحساسة مثل العلاقة بين الأردنيين والفلسطينيين او الأردنيين من اصل فلسطيني،،، اذ يكفي منشور واحد أو مقطع فيديو قصير أو تعليق مستفز حتى تبدأ موجة من التحريض والتخوين والاتهامات،، ثم يتبعها تتداخل الحسابات المنظمة مثل حسابات وحدة 8200 وحسابات تعود الى الحوثي والاستخبارات الإيرانية وبعضها في العراق وسوريا لـ تضخيم الرسالة وإعادة نشرها وتوسيع أثرها على المجتمع الأردني،،

ومع التكرار يتحول المحتوى المنفعل إلى رأي عام مضلل،، وحين لا يجد هذا المسار من يفككه بسرعة،،، ينتشر وكأنه حقيقة،،،

والمشكلة هنا أن خطاب الكراهية لا يتحرك وحده،، فـ هناك بيئة رقمية تساعده، والمنصات الاجتماعية وفقا لـ الدراسات العلمية الحديثة تكافئ خوارزمياتها المحتوى المثير لـ الغضب والانقسام لأنه يحدث تفاعلية اكبر واضخم،، والحسابات المجهولة تستثمر في هذا الاطار،، وبعض المؤثرين يلاحقون التفاعل ولو على حساب السلم الاجتماعي،، وبعض المواقع الإخبارية أيضا دخلت في هذا السباق،، فـ اقتربت من هذا الخطاب بدلا من مواجهته،،

ومع وجود 148 موقعا إخباريا إلكترونيا مرخصا لدى هيئة الإعلام الأردنية، كان يفترض أن تكون هناك قدرة أكبر على التصحيح والتوازن لحالة الرأي العام عبر هذه المنصات،، لكن جزءا من هذا المشهد انجرف خلف منطق الترند والمشاهدات لحصد المبالغ المالية،،،

الى ذلك، فـ تقارير مرصد أكيد خلال عام 2025 رصدت مئات الشائعات الكبرى في الفضاء الأردني،، وأوضح ان هذه الشائعات لم تنتشر وحدها،، وساهم مشاهير ومؤثرين في ترويج بعضها تحت عنوان السبق أو التفاعل السريع،، وهنا يظهر الخطر الحقيقي،، فبدلا من أن تكون المنصة مساحة لـ توضيح الحقائق، تحولت إلى مساحة لتوسيع دائرة التوتر وتغذية الشك وتعميق الانقسام وبث الكراهية والفتنة،،،

وفي هذا المناخ المضطرب،، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام أي محاولة منظمة لضرب وحدته الوطنية،، وحين يتعلق الأمر بقضية حساسة مثل العلاقة الأردنية الفلسطينية، فإن التحريض لا يبقى مجرد كلام على الشاشة،، بل يترك أثرا على وعي الناس،،، وعلى نظرتهم لبعضهم البعض،، وعلى مستوى الثقة بينهم،، ومع الوقت يمكن أن تتحول هذه الرسائل المتكررة إلى قناعات راسخة،،، حتى لو بدأت من أكاذيب أو مبالغات أو مقاطع مجتزأة او مفبركة،،،

لهذا،،، لا يكفي أن نلوم المؤثرين أو نندد بالذباب الإلكتروني،، والمطلوب أن نواجه السبب الأساسي المتمثل بـ غياب الصحفي المهني المحترف عن المنصات التي يتواجد فيها الناس،، فـ الصحفي لا يستطيع اليوم أن يكتفي بالمؤسسة التقليدية،،، ولا أن يبرر ابتعاده عن تيك توك أو إكس أو غيرها بحجة الوقار المهني،،، لأن هذا الغياب ترك المجال مفتوحا أمام من لا يملكون المعايير لكنهم يملكون الوصول واصبحوا يملكون التأثير في السلوك،،،

والصحفي اليوم مطالب بأن يعود إلى المنصات الاجتماعية الرقمية،، ليس ليقلد المؤثر بل ليقدم بديلا مختلفا،، بديل سريع وواضح ومهني،، وعليه أن يدخل إلى النقاش في وقته ويشتبك، وأن يرد على الشائعة قبل أن تستقر،،، وأن يفكك خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى مزاج عام،، وهذه ليست مسألة تطوير مهني فقط،،، بل مسألة تمس السلم الاجتماعي نفسه،،

ما يحدث في الأردن اليوم يثبت أن المعركة على الوعي لم تعد خارج المنصات الاجتماعية بل في داخلها،، ومن ينسحب منها يترك الناس وحدهم أمام خطاب الغضب والتخوين والانقسام،،،

لذلك،،، فإن حماية الوحدة الوطنية لا تبدأ بـ الشعارات بل تبدأ بـ حضور صحفي مهني محترف وقوي داخل الفضاء الرقمي،، وقادر على أن يواجه الضجيج بـ المعلومة والتحريض بـ التحليل والتفسير،،، والكراهية بـ خطاب متزن ومسؤول،،،

Share This Article