صراحة نيوز- د. حمزة الشيخ حسين
تعود هذه السردية التوثيقية إلى ما يقارب قبل قرنين من الزمن، في قلب مدينة إربد القديمة، وتحديدًا خلال مرحلة الحكم العثماني التي شكّلت الإطار الإداري والاجتماعي لتنظيم الحياة اليومية في المدينة قبل نشوء إمارة شرق الأردن.
يقدّم الباحث رائد عبد الرحمن حجازي قراءة دقيقة للبنية الاجتماعية في وسط إربد القديم، موضحًا كيف نظّمت السلطة العثمانية عملية توزيع المياه عبر الآبار العامة، بهدف ضبط الاستخدام ومنع النزاعات بين العائلات. فقد كانت كل بئر تُخصص لعدد محدد من الأفراد والأسر، يتقاسمون مورد الماء ضمن نظام عرفي واضح ومستقر.
ومن هنا يبرز مفهوم “الخرزة”، وهي القطعة المثبتة على فوهة البئر، والتي كانت تُستخدم كعلامة تنظيمية تحدد هوية البئر وآلية الانتفاع منه، في زمن كان فيه الماء أساس الحياة اليومية ومحور العلاقات بين السكان.
وتشير السردية إلى أن عائلات وسط مدينة إربد القديمة كانت تتشارك المياه من هذه الآبار، إضافة إلى مصادر أخرى كـالبركة الرومانية في محيط المدينة، حيث تشكلت شبكة اجتماعية قائمة على التشارك والتكافل بين العائلات، بما فيها عائلات لم تكن تمتلك آبارًا خاصة، لكنها كانت جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي للمدينة في تلك الحقبة.
ويستند الباحث في توثيقه إلى مراجع تاريخية مهمة، أبرزها مذكرات المرحوم سامح حجازي عام 1914، التي وثّقت أسماء العائلات ونمط حياتها في وسط إربد القديمة، ما منح السردية امتدادًا زمنيًا يربط بين أواخر الحكم العثماني وبدايات تشكل الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، تذكر السردية عائلة الشيخ حسين ضمن العائلات الإربدية القديمة التي سكنت وسط المدينة وأسهمت في تشكيل بنيتها الاجتماعية والتاريخية، لتبقى جزءًا من الذاكرة الحية لإربد وتاريخها الممتد عبر الأجيال.
وتؤكد هذه القراءة أن تاريخ إربد لم يكن مجرد عمران متراكم، بل هو نتاج تفاعل اجتماعي طويل بين عائلات المدينة، التي أسست لروح التعاون والاستقرار، وحافظت على استمرارية الهوية المحلية عبر الزمن.
وفي ضوء هذا التوثيق، تبرز الحاجة إلى المزيد من الدراسات الجادة التي تحفظ الذاكرة المحلية لإربد، وتعيد تقديمها كجزء أصيل من التاريخ الوطني الأردني، بما يليق بعمقها الاجتماعي وامتدادها التاريخي والحضاري المتجذر في وجدان المدينة.

