صراحة نيوز- حازم عكروش
لم يعد مقنعًا تبرير واقع الحريات في الأردن عبر مقارنته بإسرائيل، وكأن المشكلة تُحلّ بمجرد الإشارة إلى نموذج آخر. هذه المقارنات الانتقائية لا تعبّر عن ثقة بالنفس بقدر ما تكشف عن عجز في مواجهة الواقع. فبدل أن ننشغل بالمطالبة الحقيقية برفع سقف الحريات، ننزلق إلى جدل عقيم لا يغيّر شيئًا.
نحن، في كثير من الأحيان، نشكك في التقارير الدولية ونصفها بالمنحازة — وهو موقف يمكن تفهّمه في بعض السياقات — لكن هذا التشكيك يتحول إلى انتقائية صارخة عندما نقبل التصنيفات التي تخدمنا ونرفض تلك التي تكشف خللنا. وهنا يبرز السؤال المنطقي: إذا كنا لا نثق بهذه التقارير، فلماذا لا نقارن أنفسنا بدول أخرى في ذات المؤشرات، كـموريتانيا مثلًا، بدل الاكتفاء بمقاربات مريحة لا تعكس الصورة الكاملة؟
المشكلة الأعمق ليست في هذه التقارير، بل في طريقة التعامل معها. فمع كل تقرير يشير إلى تراجع الحريات، تنتفض المؤسسات الرسمية، ويصطف معها جزء من الإعلام، في حملة سريعة للهجوم والتشكيك، دون التوقف عند منهجيات هذه التقارير أو محاولة فهم معاييرها. هذا السلوك لا يعالج الخلل، بل يرسّخ ثقافة الإنكار.
والأخطر من ذلك أن هذا الإنكار ينعكس مباشرة على واقع الإعلام نفسه. فغياب الحريات الحقيقية أضعف دور الصحافة، ودفع بها في كثير من الأحيان إلى مساحة المديح والترويج، بدل أن تكون سلطة رقابية تراقب وتحاسب وتكشفب الخلل. وهنا نخسر جميعًا: الدولة، والمجتمع، والإعلام.
إن الدفاع الحقيقي عن الأردن لا يكون بردود فعل غاضبة أو حملات موسمية سرعان ما تخبو، بل بموقف شجاع يعترف بالمشكلة ويعمل على معالجتها. فحرية الإعلام ليست رفاهية ولا مطلبًا نخبويًا، بل هي مصلحة وطنية عليا، لأنها تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة الفساد والانحراف، وتساهم في تصويب المسار قبل تفاقم الأخطاء.
الطريق إلى إعلام قوي ومؤثر لا يبدأ بتبرير الواقع، بل بالاعتراف به. ولا يمر عبر مهاجمة التقارير، بل عبر إصلاح البيئة التي أنتجت هذه النتائج. فبين الإنكار والحقيقة، لا يمكن بناء مستقبل إعلامي صحي… والاختيار يجب أن يكون واضحًا.
عكروش. : بين الإنكار والحقيقة… حرية الإعلام في الأردن ليست ملفًا للمزاودة

