صراحة نيوز – بقلم: محمد أبوسماقة
في خضمّ الأصوات التي ترتفع كل موسم لمهاجمة التلفزيون الأردني بسبب عدم شراء بعض الأعمال الدرامية، لا بد من قول كلمة واضحة بعيدًا عن المجاملات والبيانات العاطفية التي تحاول تصوير أي قرار بالرفض وكأنه موقف ضد الدراما الأردنية.
الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن المشكلة ليست دائمًا في التلفزيون… بل في مستوى كثير من الأعمال التي تُقدَّم له.
فالتلفزيون الأردني ليس جمعية خيرية، وليس صندوق دعم مفتوحًا لشراء أي عمل فقط لأن منتجًا قرر تصويره، أو لأن شركة ما أنفقت عليه مالًا. الشاشة الوطنية ليست مستودعًا لتصريف الأعمال الضعيفة، ولا منصة لمنح الشرعية الفنية للنصوص المرتجلة والإنتاجات السريعة التي تُنفَّذ بلا رؤية ولا جودة ولا احترام لعقل المشاهد.
بعض المنتجين يريدون من الدولة أن تموّل الفوضى… وأن تشتري الرداءة… وأن تعتبر أي عمل “إنجازًا وطنيًا” فقط لأنه يحمل صفة الإنتاج الأردني.
وهنا تحديدًا، لا بد من توجيه التحية للتلفزيون الأردني، لأنه ــ رغم كل الملاحظات ــ ما زال يحاول أن يحافظ على الحد الأدنى من مستوى المحتوى الذي يُعرض باسم الأردن، ويرفض أن تتحول الشاشة إلى مساحة مكتظة بالأعمال الضعيفة التي تسيء إلى تاريخ الدراما الأردنية أكثر مما تخدمها.
المشكلة الحقيقية ليست في قلة الشراء فقط، بل في تراجع مستوى كثير من الأعمال التي باتت تُنتج بعقلية الاستسهال، وضعف النصوص، ورداءة التنفيذ، والاعتماد على أفكار مستهلكة وأسماء مكررة، حتى أصبح بعض المنتجين يعتقد أن مجرد التصوير يمنحه حقًا تلقائيًا في البيع.
الدراما الأردنية التي صنعها الكبار لم تكن تقوم على الاستجداء، بل على النص القوي، والممثل الحقيقي، والمخرج الذي يعرف ماذا يريد، والمنتج الذي يدخل المعركة الفنية لأنه يحمل مشروعًا، لا لأنه يبحث عن فاتورة بيع للتلفزيون.
المؤلم اليوم أن بعض الأعمال تُنتج بلا حد أدنى من الجودة، ثم يبدأ أصحابها بمهاجمة المؤسسة الرسمية لأنها لم تشترِ العمل، وكأن المشكلة ليست في ضعف المنتج نفسه.
وهنا السؤال الحقيقي:
هل المطلوب من التلفزيون الأردني أن يحافظ على المال العام ومستوى الشاشة… أم أن يشتري أي شيء خوفًا من غضب المنتجين؟
نعم… نحن مع دعم الدراما الأردنية بكل قوة، ومع فتح المجال أمام المنتجين والمبدعين الحقيقيين، لكننا أيضًا مع وجود معايير حقيقية للجودة، لأن حماية الدراما الأردنية لا تكون بشراء الأعمال الضعيفة، بل بمنع الرداءة من التحول إلى أمر طبيعي.
الدراما الأردنية لا ينقصها المال فقط… بل تحتاج إلى نصوص حقيقية، ورؤية، وجرأة، واحترام لعقل المشاهد، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن الفن مسؤولية، لا مجرد صفقة موسمية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي صناعة فنية هو أن تصبح الرداءة حقًا مكتسبًا، وأن يتحول النقد إلى جريمة، وأن يصبح رفض العمل الضعيف مؤامرة.
ومن حق التلفزيون الأردني أن يقول: لا… لأي عمل لا يليق بتاريخ الشاشة الأردنية ولا باسم الأردن.
لأن قرار عدم شراء بعض الأعمال ليس دائمًا ضد الدراما الأردنية…
بل قد يكون أحيانًا دفاعًا أخيرًا عنها

