صراحة نيوز – حذّر الجيولوجي والمتخصص في إدارة الموارد المائية في الأردن، د. ثابت المومني، من احتمالية مواجهة المملكة أزمة مائية خلال صيف 2026 قد تعيد مشاهد المعاناة التي عاشها الأردنيون خلال صيف العام الماضي، إذا استمرت المعطيات الحالية دون تغيّرات جوهرية في إدارة الملف المائي.
وقال المومني إن رسائل الطمأنة المتداولة عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، إلى جانب تصريحات رسمية تبشّر بصيف مائي آمن، تبدو – من وجهة نظره – بعيدة عن القراءة الواقعية للمشهد المائي في الأردن. وأضاف أن الحكم على الموسم المطري لا يُبنى على مجموع كميات الأمطار وحده، بل على طبيعة الهطول الزمني وتوزيعه الجغرافي وكفاءة الاستفادة منه.
وأوضح أن موسم 2025–2026، وإن وُصف بأنه جيد من حيث الكميات الإجمالية للأمطار، إلا أنه – بحسب قراءته – لم يكن مثاليًا من حيث انتظام وتناسق الهطول. وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من الأمطار هطل على شكل زخات رعدية غزيرة ومتسارعة خلال فترات قصيرة، بدلًا من هطولات هادئة ومتدرجة تسمح بتغذية الأحواض والخزانات الجوفية بصورة أفضل.
وبيّن أن الأمطار السريعة والعالية الشدة تؤدي غالبًا إلى زيادة الجريان السطحي على حساب التغذية العميقة للمياه الجوفية، ما يعني أن جزءًا من المياه لم يُتح له الوقت الكافي للتغلغل نحو الطبقات الحاملة للمياه. وأضاف أن جزءًا من هذه الكميات اتجه نحو الأودية والبحر الميت، سواء نتيجة امتلاء بعض السدود في مناطق محددة أو نتيجة محدودية منشآت الحصاد المائي والسدود في عدد من الأودية الجانبية بالمملكة، الأمر الذي قلّل – بحسب تقديره – من فرص بناء مخزون مائي استراتيجي أكثر أمانًا واستدامة.
وأشار المومني إلى أن قراءة الموازنة المائية الأردنية يجب أن تتم بصورة شمولية لا من خلال أرقام التخزين وحدها. ووفق معطيات الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040، تعتمد المملكة بصورة رئيسية على المياه الجوفية التي تشكل نحو 58% من الموارد المائية المستخدمة، فيما تشكل المياه السطحية ما يقارب 26–32% بحسب الموسم المطري وكميات الجريان السطحي، بينما أصبحت المياه المعالجة موردًا متزايد الأهمية ضمن الموازنة المائية الوطنية.
وأضاف أن المياه الجوفية تشكل العمود الفقري لمنظومة التزويد المائي الأردنية، إذ يتجاوز الضخ السنوي منها 600 مليون متر مكعب سنويًا، وهو ما يجعل استدامة الأحواض المائية قضية محورية للأمن المائي الوطني. وأكد أن الاعتماد المرتفع على المياه الجوفية يعني أن أي ضعف في تغذية تلك الأحواض سينعكس بصورة مباشرة على الواقع المائي في السنوات اللاحقة.
وقال إن المعادلة المائية الحالية تستدعي القلق من وجهة نظره، فإذا كان المورد الأكبر في الموازنة المائية الأردنية يعتمد على المياه الجوفية، وفي المقابل كانت فرص تغذيتها خلال الموسم المطري الأخير أقل من المأمول نتيجة نمط الهطول، فإن ذلك يفرض قراءة أكثر حذرًا للمشهد القادم.
وأشار إلى أن السعة التخزينية النظرية لسدود المملكة تبلغ قرابة 280–288 مليون متر مكعب، إلا أن حجم التخزين الفعلي يتغير تبعًا للأمطار والتبخر وأنماط الاستهلاك، مؤكدًا أن الأرقام المجردة للسدود لا تعني بالضرورة وجود مخزون فعلي آمن قادر على مواجهة ذروة الطلب الصيفي.
وأضاف أن المواطن الأردني قد يبدأ بالشعور تدريجيًا بآثار الشح المائي خلال الفترة المقبلة، سواء من حيث انتظام أدوار المياه أو وفرتها أو حجم الضغوط على منظومة التزويد. وأشار إلى أن حدة هذه الآثار قد تتصاعد تدريجيًا مع دخول أشهر الصيف الأكثر استهلاكًا للمياه، وقد تبلغ ذروتها مع نهاية الموسم الصيفي واقتراب شهر أيلول، بما قد يعيد إلى الأذهان أزمة صيف 2025 وما رافقها من شكاوى وتأخر في أدوار المياه في عدد من المناطق.
وأضاف المومني أن بناء مخزون مائي آمن لا يتحقق من خلال التركيز على ملف واحد وإغفال ملفات أخرى ضمن الإدارة المتكاملة للموارد المائية. وأشار إلى أن ملف الحصاد المائي كان يفترض أن يكون من أولويات وزارة المياه خلال السنوات الماضية، إلا أن المشاريع المنفذة – من وجهة نظره – لم ترتقِ إلى مستوى الحاجة الفعلية.
وأوضح أنه لم تُلاحظ مشاريع نوعية كافية تعزز الحصاد المائي في المناطق الأعلى هطولًا للأمطار، وخاصة في الأودية الجانبية في شمال المملكة وعجلون والبلقاء، رغم أن هذه المناطق تمتلك فرصًا واعدة لإنشاء مشاريع حصاد مائي يمكن أن تسهم في تقليل الفاقد من الجريان السطحي وتعزيز الاحتياطي المائي الوطني.
وختم المومني بالتأكيد أن حديثه لا يستند إلى التنبؤ أو قراءة الغيب، وإنما إلى معادلات العرض والطلب وتحليل المتوفر من المياه مقارنة بالاحتياجات المتزايدة، معتبرًا أن تجاهل المؤشرات الحالية قد يجعل صيف 2026 قريبًا جدًا من سيناريو أزمة صيف 2025.
المومني يحذر من تكرار ازمة المياه الصيف المقبل واتساع فجوة المتوفر المائي وغياب المخزون الآمن

