صراحة نيوز – في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للأنواع المهددة بالانقراض واليوم الدولي للتنوع البيولوجي، يواصل الأردن ترسيخ حضوره كنموذج إقليمي في حماية الحياة البرية وصون التنوع الحيوي، مستنداً إلى رعاية ملكية هاشمية ممتدة شكلت الأساس في بناء منظومة وطنية لحماية الأنواع النادرة وإعادة توطينها في بيئاتها الطبيعية.
وتبرز الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بوصفها إحدى أهم المؤسسات البيئية العربية التي نجحت في تحويل التحديات البيئية إلى قصص نجاح عالمية، عبر برامج حماية وإكثار وإعادة توطين الأنواع البرية المهددة بالانقراض، وفي مقدمتها المها العربي الذي أصبح أيقونة لصحراء البادية الشرقية والحيوان الوطني للمملكة الأردنية الهاشمية.
وأكدت الجمعية، أن حماية الأنواع المهددة بالانقراض لم تعد قضية بيئية فحسب، بل تمثل مسؤولية إنسانية مرتبطة بالحفاظ على التوازن البيئي واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة، في ظل التحديات العالمية المتزايدة المرتبطة بالتغير المناخي والتصحر وفقدان التنوع الحيوي.
وقال مدير محمية الشومري للأحياء البرية عبيدة الخريشا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن المها العربي يمثل أحد أبرز نماذج النجاح الأردنية في مجال إعادة توطين الأنواع البرية المهددة بالانقراض، بعد أن اختفى من بيئاته الطبيعية في البادية الشرقية نتيجة الصيد الجائر وتدهور الموائل الطبيعية، حيث سجلت آخر مشاهدة له في الأردن عام 1965.
وأضاف الخريشا، أن تأسيس محمية الشومري عام 1975 جاء ليشكل نقطة تحول في تاريخ العمل البيئي الأردني، باعتبارها أول محمية طبيعية تقام على أراضي المملكة، وأولى مشاريع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في مجال حماية الأنواع المهددة بالانقراض وإعادة توطينها.
وأوضح، أن الجمعية بدأت عام 1978 تنفيذ برنامج متخصص لإكثار المها العربي، بالتعاون مع مؤسسات ومنظمات بيئية وحدائق حيوان عالمية، حيث تم استقدام 8 رؤوس من الولايات المتحدة و3 رؤوس من دولة قطر، لتبدأ بعدها برامج الإكثار والحماية تحت إشراف طبي بيطري ووفق أفضل البروتوكولات العالمية.
وأشار إلى أن الجهود الأردنية نجحت عام 1983 في إطلاق أول قطيع من المها العربي ضمن بيئاته الطبيعية بمساحة، بلغت 5 كيلومترات مربعة، في خطوة وصفت حينها بأنها أول عملية إعادة توطين للمها العربي في العالم بعد اختفائه لعقود طويلة.
وبيّن، أن أعداد المها العربي في محمية الشومري ارتفعت خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 231 رأساً، ليسجل القطيع حينها في موسوعة غينيس كأكبر قطيع حيوي للمها العربي ضمن دول انتشاره الطبيعي.
ولفت الخريشا إلى أن المحمية التي تمتد على مساحة 22 كيلومتراً مربعاً وتقع جنوب شرقي المملكة على بعد نحو 120 كيلومتراً من العاصمة عمان، تضم اليوم نحو 120 رأساً من المها العربي، بعضها ضمن حظائر إكثار متخصصة للحفاظ على قطيع حيوي محصن وراثياً وصحياً، فيما تعيش بقية الحيوانات ضمن بيئاتها الطبيعية داخل المحمية.
وأكد الخريشا، أن محمية الشومري، التي تقترب من يوبيلها الذهبي، تواصل تطوير برامجها البيئية والطبية والبحثية، مشيرة إلى أنها تستعد لافتتاح مركز طبي بيطري إقليمي بدعم من الديوان الملكي الهاشمي، بهدف توسيع برامج الإكثار والعلاج البيطري والتدريب المتخصص للأطباء البيطريين العاملين في مجال الحياة البرية.
وأضافت، أن المركز الجديد سيعزز مكانة الأردن كنموذج عربي وإقليمي في برامج صون الطبيعة العابرة للحدود، وتبادل الأنواع البرية المهددة بالانقراض والخبرات البيئية مع العديد من الدول والمؤسسات الدولية.
وفي سياق متصل، أوضحت الجمعية أن اسم “المها” يعود في اللغة العربية القديمة إلى شدة البياض والصفاء، في إشارة إلى اللون الأبيض الناصع الذي يتميز به المها العربي، فيما يرتبط وصف “العربي” بجذوره الممتدة في شبه الجزيرة العربية.
وأكد، أن المحمية ترتكز على مبدأ “نساعد الطبيعة نساعد الناس”، انطلاقاً من الإيمان بأن حق الإنسان في بيئة نظيفة يوازي حقه في الحياة.
ويعود الاهتمام الأردني الرسمي بحماية المها العربي والحياة البرية إلى الرؤية البيئية للمغفور له الحسين بن طلال، الذي وجه بتأسيس محمية الشومري للأحياء البرية لتكون أول محمية طبيعية في المملكة، واضعاً الأساس لمسيرة وطنية في حماية التنوع الحيوي.
وشهد عام 1983 إطلاق أول قطيع من المها العربي في بيئاته الطبيعية برعاية مباشرة من المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، وبحضور الأمير البريطاني الراحل دوق إدنبرة، في خطوة شكلت علامة فارقة في برامج إعادة التوطين على مستوى العالم.
وتواصل المملكة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، دعمها لبرامج حماية البيئة والحياة البرية، عبر تطوير المحميات الطبيعية وتعزيز التشريعات البيئية ودعم المبادرات الوطنية الهادفة إلى صون الإرث الطبيعي الأردني واستدامته للأجيال القادمة.

