حين تتحول العبادات إلى عادات

4 د للقراءة
4 د للقراءة
حين تتحول العبادات إلى عادات

صراحة نيوز – م مدحت الخطيب

في كل صلاة جمعة، يتكرر مشهد بات مألوفًا لنا جميعا حتى كدنا نتعامل معه وكأنه أمر طبيعي.. يقف الخطيب على المنبر، يذكّر الناس بالله ويذكرنا بالقيم والأخلاق والاحترام ، ويقرأ آياته، ويقدم موعظة ينتظرها المصلين طوال أسبوع ، لكن في المقابل تجد من انشغل بهاتفه، يقلب صفحاته، أو يتابع رسائله، أو يكمل لعبة ويتفاعل معها بكل حواسة وكأن ما يدور حوله لا يعنيه…

ما أثار استغرابي، بل وأوجعني، في الجمعة الماضية، أن شابًا يافعا لم يكتفِ بالنظر إلى هاتفه طوال الخطبة، بل كان يلعب لعبة إلكترونية بكل تركيز، غير آبه بحرمة المكان ولا بعظمة الشعيرة.. والأشد ألمًا أنه لم يكن الوحيد الذي كان يلهو بهاتفه ولكنه كان أكثرهم ادمانا فلم يتوقف حتى بعد نزول الخطيب من المنبر وإقامة الصلاة، بل استمر في اللعب إلى نهاية الركعة الأولى، وكأن الهاتف أصبح قبلته التي لا يريد أن يصرف نظره عنها..

عندها وجدت نفسي أتساءل: إلى أي مدى وصل بنا هذا الإدمان؟ وهل أصبح نداء الهاتف أقوى من نداء الله؟ سالت نفسي ما الذي يحدث هي البطالة التي خلقت فراغًا قاتلًا عند الشباب فتجدهم يهربون إلى عالم اخر ؟ أم غياب الرقابة الأسرية ومنذ الصغر فشب عليها جيل كامل ؟ أم أننا أمام إدمان حقيقي يحتاج إلى علاج، لا إلى توزيع التهم والقاء اللوم فقط؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك كله، وأننا بدأنا نفقد شيئًا فشيئًا هيبة الشعائر، واحترام المكان، وتقدير اللحظات التي ينبغي أن يكون القلب فيها حاضرًا قبل الجسد؟

قد يقول قائل إن هذا تصرف فردي، لكنه في الحقيقة أصبح ظاهرة يلاحظها كل من يرتاد المساجد ولست أول من تحدث عنها ولن اكون الأخر . أقولها بصدق لم يعد الأمر يقتصر على كبار السن الذين يشتكون من تغير الزمان والعادات والتقاليد والقيم ، بل بات الشباب أنفسهم يستغربون ما يرونه من تغيرات في داخل المجتمع أصبحت تزعجهم …

ليس المطلوب أن نحارب التكنولوجيا، فهي نعمة إذا أحسن استخدامها، لكن المصيبة أن تتحول إلى سيدٍ يقودنا حيث يشاء، وأن يعجز الواحد منا ولو لدقائق معدودة عن تركها من أجل خطبة وصلاة ومناجاة الله ، فصلاة الجمعة وباقي الصلوات هي حق لله علينا قبل أن تكون عادة يومية أو أسبوعية.

إن احترام المسجد ليس مجرد خلع الحذاء عند الباب، بل حضور القلب قبل الجسد. وان احترام الخطبة ليس مجاملة للوالدين او للخطيب او عادة تمارسها بجسدك دون روحك ، هي امتثال لأمر الله وتعظيم لشعيرة من شعائره. فإذا وصل بنا الحال إلى أن نعجز عن إغلاق الهاتف نصف ساعة، فعلينا أن نعترف بأن المشكلة لم تعد في الهاتف، بل فينا نحن..

أخشى أن يأتي يوم ندخل فيه المساجد بأجسادنا فقط، بينما تبقى عقولنا وأرواحنا معلقة بالشاشات وغيرها من أمور الدنيا . وحينها لن يكون السؤال: لماذا انشغل الناس بهواتفهم؟ بل كيف سمحنا لهذه الأجهزة أن تنتزع منا خشوعنا، وهيبة بيوت الله، واحترام شعائر ديننا…
إن المشكلة ليست في الحضور، بل في حضور القلب. فكم من مصلٍّ حضر المسجد ولم تحضر روحه، وكم من سامعٍ لم يسمع، وناظرٍ لم يبصر.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أن نستعيد هيبة الجمعة في نفوسنا، وأن ندخل بيوت الله بقلوبٍ خاشعة، وعقولٍ متدبرة، تاركين خلفنا كل ما يشغلنا عن ذكر الله، حتى نخرج منها وقد تزودنا بالإيمان، وتجددت فينا معاني التقوى…

 

شارك هذا المقال