الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحكيم الدولي.. من يملك القرار؟

5 د للقراءة
5 د للقراءة
الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحكيم الدولي.. من يملك القرار؟

صراحة نيوز – يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكيم الدولي ليشمل البحث القانوني، ومراجعة الوثائق، والترجمة، وصياغة المسودات، لكن الجدل يتصاعد عندما يطلب المحكم من هذه الأدوات تقييم مسألة قانونية يفترض أن تبت فيها هيئة التحكيم بنفسها.

ولا توجد حاليًا قاعدة عامة في التحكيم الدولي تمنع المحكم من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للحصول على مراجع أو تحليلات قانونية.

وقد خصّصت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي “الأونسيترال”، في فبراير/شباط 2026، جزءًا من إحدى ندواتها لمناقشة أثر استخدام المحكمين للذكاء الاصطناعي على الاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها، ما يعكس استمرار دراسة المسألة دوليًا.

 

المساعدة لا تعني تفويض القرار
تسمح التوجيهات الناشئة باستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة في البحث وتنظيم المعلومات واختبار الحجج، لكنها تشدد على ضرورة احتفاظ المحكم بمسؤوليته الكاملة عن التحليل والقرار النهائي.

ويمكن للمحكم، على سبيل المثال، استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد مراجع قانونية أو استعراض حجج مضادة لتفسير مبدئي، شرط مراجعة النتائج والتحقق منها بصورة مستقلة.

غير أن طلب تحديد الطرف صاحب الحجة الأقوى، أو تقرير استحقاق التعويض، أو اقتراح كيفية الفصل في اعتراض على الاختصاص، يقترب من تفويض جزء من مهمة الفصل في النزاع.

وتؤكد المبادئ التوجيهية الصادرة عام 2025 عن المعهد المعتمد للمحكمين “Ciarb” أنه لا يجوز للمحكمين التخلي عن سلطتهم في اتخاذ القرار لمصلحة الذكاء الاصطناعي.

كما تدعوهم إلى التحقق من المعلومات التي تقدمها هذه الأنظمة، وتحمل المسؤولية عن جميع جوانب القرار.

وتتبنى إرشادات مركز وادي السيليكون للتحكيم والوساطة “SVAMC” موقفًا مماثلًا، إذ تحظر تفويض الصلاحيات الشخصية للمحكم إلى أداة ذكاء اصطناعي، وتؤكد أن هذه الأدوات لا يمكن أن تحل محل تحليله المستقل للوقائع والقانون والأدلة.

مخاطر السرية والأخطاء
تثير الاستعانة بالذكاء الاصطناعي مخاطر إضافية تتعلق بسرية إجراءات التحكيم، التي غالبًا ما تشمل عقودًا ومرافعات وإفادات شهود وتقارير خبراء ومعلومات تجارية حساسة.

وقد يؤدي تحميل هذه المواد إلى أدوات غير مؤمنة إلى الاحتفاظ بها أو استخدامها في التدريب أو وصول أطراف أخرى إليها.

لذا، توصي التوجيهات بفحص سياسات تخزين البيانات وحمايتها قبل إدخال أي معلومات سرية.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم مراجع قضائية غير موجودة أو استنتاجات قانونية خاطئة بصياغة تبدو مقنعة.

ولهذا يظل المحكم مسؤولًا عن العودة إلى المصادر الأصلية والتحقق من صحة القواعد والأحكام التي يعتمد عليها.

وتبرز مشكلة أخرى عندما يقترح الذكاء الاصطناعي حجة أو مرجعًا لم يطرحه أي من طرفي النزاع.

وفي حال أصبح هذا العنصر مؤثرًا في النتيجة، ينبغي عرضه على الأطراف ومنحهم فرصة للتعليق، بدلًا من إدخاله في القرار من دون علمهم.

 

هل يجب الإفصاح؟
لا تتبنى الإرشادات الحالية موقفًا موحدًا بشأن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي.

فإرشادات “Ciarb” تشجع المحكمين على التشاور مع الأطراف قبل استخدام هذه الأدوات، فيما لا تفرض إرشادات “SVAMC” إفصاحًا عامًا، لكنها تشترطه عندما يعتزم المحكم الاعتماد على معلومات أنشأها الذكاء الاصطناعي من خارج ملف القضية.

وأطلقت جمعية التحكيم الأمريكية “AAA” إجراءً اختياريًا للنزاعات المؤهلة، يسمح للذكاء الاصطناعي بتحليل مذكرات الأطراف وإعداد مسوّدة قرار، قبل أن يراجعها محكم بشري ويعدلها أو يعيد صياغتها ويعتمد القرار النهائي.

لكن هذا الإجراء يستند إلى موافقة صريحة من طرفي النزاع.

قرارات قضائية ترسم الحدود
بدأت تداعيات الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي تظهر أمام المحاكم. ففي قضية “LaPaglia ضد Valve Corporation”، ادعى أحد الأطراف أن المحكم أسند دوره القضائي إلى الذكاء الاصطناعي، لكن محكمة أمريكية رفضت الالتماس المعدل في ديسمبر/كانون الأول 2025 لأسباب تتعلق بالاختصاص، من دون الفصل في جوهر الادعاء.

وفي أبريل/نيسان 2026، ألغت محكمة كيبيك العليا قرارًا بعدما تبين أن مراجع ومبادئ غير موجودة كانت أساسية في منطق المحكم، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي جرى من دون تحقق كافٍ وتضمن تفويضًا غير ملائم لجزء من مهمة الفصل.

ولم تعتبر المحكمة مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي سببًا لإلغاء القرار، بل تمثلت المشكلة في الاعتماد على معلومات ملفقة وعدم التحقق منها والإخلال بالإجراءات المتفق عليها.

وبذلك، لا يتعلق الخط الفاصل بسؤال المحكم للذكاء الاصطناعي عن رأيه، وإنما بطبيعة المهمة التي يؤديها وكيفية التعامل مع مخرجاته.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في البحث واختبار التحليل، لكنه لا يجوز أن يحل محل الحكم المستقل للمحكم أو يؤثر في نزاهة إجراءات التحكيم.

شارك هذا المقال