صراحة نيوز – محرر الشؤون المحلية – أكد أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور ليث نصراوين، أن حبس المدين في التشريع الأردني لا يشكل نتيجة تلقائية لمجرد عدم سداد الدين وإنما يخضع لشروط وضوابط قانونية، مشددا على ضرورة التمييز بين المدين المقتدر الممتنع عن الوفاء والمدين المعسر الذي لا يملك القدرة الفعلية على السداد.
وأوضح نصراوين خلال حديثه لـ”صراحة نيوز” أن قانون التنفيذ الحالي أجاز للدائن طلب حبس المدين في حال عدم سداد الدين أو عدم عرض تسوية تتناسب مع مقدرته المالية خلال مدة الإخطار، على ألا تقل الدفعة الأولى في التسوية عن 15% من أصل المبلغ المحكوم به.
وأشار إلى أنه في حال عدم موافقة الدائن على التسوية يتولى رئيس التنفيذ التحقق من مدى اقتدار المدين وله سماع أقوال الدائن وبيناته بشأن القدرة المالية للمدين قبل اتخاذ القرار المناسب.
وبين أن المشرع الأردني ضيق بصورة جوهرية نطاق حبس المدين في التعديل الأخير لقانون التنفيذ عام 2022، عندما نص على عدم جواز حبس المدين إذا عجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي باستثناء عقود إيجار العقار وعقود العمل، معتبرا أن ذلك يعكس تحولا تشريعيا في النظرة إلى الحبس كوسيلة لاقتضاء الديون المدنية.
المعسر والمقتدر.. ليسا سواء
وشدد على أن هناك فرقا جوهريا بين المدين القادر على السداد ثم يمتنع عن الدفع والمدين المعسر الذي لا يملك أموالا أو دخلا كافيا للوفاء بالتزاماته.
وقال إن قانون التنفيذ أدرك هذا التمييز من خلال منح رئيس التنفيذ صلاحية التحقق من اقتدار المدين وسماع البينات المتعلقة بقدرته المالية، إلى جانب استثناء المدين المعسر وفقا لأحكام قانون الإعسار من الحبس.
ولفت إلى أن الحبس قد يشكل وسيلة ضغط على المدين المقتدر الممتنع عن الوفاء، لكنه لا يمكن أن ينشئ قدرة مالية لدى المدين المعسر، موضحا أن حبس من لا يملك المال أصلا قد يزيد من صعوبة وضعه المالي ويقلل من قدرته المستقبلية على الوفاء بالدين.
الحبس ليس عقوبة جزائية.. والأصل التنفيذ على أموال المدين
وفيما يتعلق بالتكييف القانوني لحبس المدين أوضح نصراوين أن هناك فرقا بين الحبس التنفيذي والعقوبة الجزائية، إذ إن حبس المدين في قانون التنفيذ لا يعد عقوبة جزائية على ارتكاب جرم وإنما وسيلة تنفيذ استثنائية تهدف إلى الضغط على المدين للوفاء بالتزامه.
إلا أنه حذر في الوقت ذاته من التوسع في استخدام الحبس بحق مدين ثبت عجزه الحقيقي عن السداد لما يثيره ذلك من إشكالية تتعلق بالتناسب بين حماية حق الدائن وحماية الحرية الشخصية للمدين.
وأكد أن الأصل في الالتزامات المدنية أن يكون التنفيذ على أموال المدين وليس على شخصه وأن تبقى الوسائل المقيدة للحرية في أضيق نطاق ممكن خصوصا عندما يكون الدين ناتجا عن ظروف معيشية أو تعثر مالي حقيقي وليس عن امتناع متعمد عن الوفاء رغم القدرة على السداد.
وشدد على أن التمييز بين المدين المعسر والمدين المقتدر الممتنع عن الدفع يجب أن يكون أساسيا في أي معالجة تشريعية لمسألة حبس المدين.
حبس المدين قد يعمق الأزمة بدلا من حلها
وحول ما إذا كان إعادة حبس المدين يمكن أن يشكل حلا لمشكلة الديون، قال إن الحبس بحد ذاته لا يسدد الدين، مشيرا إلى أن قانون التنفيذ يؤكد صراحة أن الدين لا يسقط بتنفيذ الحبس.
وأضاف أن حبس المدين المعسر فعليا قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، من خلال حرمانه من العمل أو تعطيل نشاطه الاقتصادي وبالتالي إضعاف قدرته على توليد دخل يمكن استخدامه في الوفاء بالدين.
وفي المقابل، أشار إلى وجود إشكالية تشريعية تتمثل في أن المشرع، عندما اتجه إلى إلغاء حبس المدين في الالتزامات التعاقدية، ألغى وسيلة كانت تستخدم للضغط على المدين واقتضاء الحقوق، من دون أن يوفر للدائن في المقابل وسائل تنفيذية بديلة بالفاعلية ذاتها الأمر الذي أخل، إلى حد ما بالتوازن بين المركز القانوني للدائن والمدين.
حماية المدين لا تعني حماية من التنفيذ
وأكد أن حماية المدين من الحبس أمر يمكن تفهمه من منظور حماية الحرية الشخصية، إلا أن هذه الحماية يجب ألا تؤدي إلى إضعاف حق الدائن في اقتضاء حق ثابت له بموجب سند تنفيذي.
وأوضح أن الاستناد إلى وسائل أخرى، مثل المنع من السفر، لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة، باعتبار أن هذه الوسيلة قد تكون فعالة في بعض الحالات، لكنها محدودة الأثر، ولا سيما في الديون ذات المبالغ البسيطة وبين صغار التجار والأفراد الذين لا يشكل السفر إلى خارج المملكة جزءا معتادا من حياتهم أو نشاطهم الاقتصادي.
ورأى أن الحل لا يتمثل بالضرورة في إعادة الحبس بصورته السابقة وإنما في إيجاد وسائل ضغط تنفيذية جديدة وفعالة بحق المدين المقتدر الممتنع عن الوفاء تكون أقل مساسا بحريته الشخصية.
واقترح في هذا السياق التفكير بوضع قيود قانونية محددة على بعض المعاملات التي تتطلب تجديدا دوريا مثل ترخيص المركبات وبعض الرخص والتصاريح إلى جانب تطوير آليات الكشف عن أموال المدين والحجز عليها.
نصراوين: لا أؤيد العودة إلى حبس المدين بصورته السابقة
وحسم نصراوين موقفه من الجدل الدائر حول إعادة حبس المدين، مؤكدا: لا أؤيد العودة إلى حبس المدين بصورته السابقة وعلى نحو واسع لكنه في الوقت ذاته لا يرى أن الوضع التشريعي الحالي حقق التوازن المطلوب بين حقوق الدائن والمدين.
وقال إن المشرع الأردني ألغى إلى حد كبير الحبس في الالتزامات التعاقدية باعتباره وسيلة للضغط على المدين واقتضاء الحقوق لكنه لم يوفر للدائن بدائل تنفيذية فعالة بالقدر الكافي.
وشدد على أن الدائن أيضا صاحب حق واجب الحماية ولا يجوز أن تتحول حماية المدين من الحبس إلى حماية له من التنفيذ، أو إلى إضعاف قدرة الدائن على الوصول إلى حقه.
وأضاف أن الحل لا يكمن في الاختيار بين إعادة الحبس بصورته السابقة أو الإبقاء على الوضع الحالي كما هو وإنما في إعادة التوازن إلى قانون التنفيذ من خلال التمييز الواضح بين المدين المعسر فعليا والمدين المقتدر الممتنع عن الوفاء.
وأكد أن المدين المعسر يجب ألا يحبس لمجرد فقره أو عجزه المالي، في حين يجب ألا يستفيد المدين المقتدر الممتنع عن الدفع من إلغاء الحبس للتهرب من أداء حقوق الآخرين.
وختم بالدعوة إلى بناء منظومة أكثر تطورا لوسائل الضغط والتنفيذ تشمل تعزيز آليات الكشف عن أموال المدين والحجز عليها ووضع قيود مدروسة على بعض المعاملات الإدارية والمالية للمدين المقتدر الممتنع عن الدفع، مثل ترخيص المركبات أو بعض الرخص والتصاريح على أن تخضع هذه الإجراءات لرقابة رئيس التنفيذ ولمبدأ التناسب.

