الفريحات: تحديث القوانين لا يعني التفريط بالقيم والعادات والتقاليد
عفيشات: النصوص القانونية متماسكة.. والتحدي الحقيقي في التطبيق والوعي المجتمعي
الفريحات وعفيشات: مراجعة التشريعات تتطلب موازنة دقيقة بين الحريات الشخصية وحماية المجتمع
صراحة نيوز – خاص – أكد المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات أن إعادة النظر في تجريم بعض الأفعال والممارسات والسلوكيات الاجتماعية تعد من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في الفقه القانوني والتشريعات وعلم الاجتماع، نظرا لارتباطها المباشر بالتوازن بين الحرية الفردية والشخصية من جهة والنظام العام والموروث الثقافي والديني والعادات والتقاليد من جهة أخرى.
وقال الفريحات في تصريح خاص لـ “صراحة نيوز” إن من أبرز دوافع إعادة النظر في التشريعات والقوانين تغير الوعي الاجتماعي والتطور والحداثة، إلى جانب تحديث القوانين والتزامات الدولة الناشئة عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأضاف أن بعض الأفعال التي كان ينظر إليها المجتمع قبل عقود باعتبارها منافية للحياء العام أو جرائم أخلاقية أو سلوكيات دخيلة وغير مقبولة، قد تصبح مع مرور الوقت محل قبول اجتماعي أو تدخل ضمن نطاق الحريات الشخصية، الأمر الذي يستدعي، بحسبه، إعادة تقييم الإطار القانوني الناظم لها بما يراعي التطورات الاجتماعية ويحفظ الخصوصية.
وأشار إلى أن التشريعات الحديثة غالبا ما تنطلق من فلسفة تقوم على عدم تدخل القانون في حياة الأفراد والجماعات إلا عندما يترتب على السلوك ضرر مادي أو معنوي أو نفسي على الفرد أو المجتمع، لافتا إلى الاتجاه نحو العقوبات البديلة بدلا من العقوبات السالبة للحرية في بعض الحالات.
وأوضح أن العقوبة الجنائية قد تترك آثارا عميقة على حياة الفرد ومستقبله المهني والاجتماعي وقد تعيق إعادة تأهيله ودمجه في المجتمع وهو ما يستدعي وفق رأيه، تطوير السياسة العقابية بما يحقق الردع ويحافظ في الوقت ذاته على فرص الإصلاح وإعادة التأهيل.
وأكد أن التشريعات الجزائية المعمول بها حاليا كافية لتجريم الأفعال التي تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع والسلم المجتمعي، مستشهدا بالعنف الأسري وزواج القاصرين وخطاب الكراهية والتهديد والابتزاز وتجارة الأعضاء البشرية، باعتبارها أفعالا تستوجب حماية قانونية واضحة، ولا سيما للفئات المستضعفة.
وقال إن القوانين الجزائية تمثل خط الدفاع الأخير لحماية القيم الأخلاقية والعادات والتقاليد والموروث الاجتماعي والديني، محذرا في الوقت ذاته من أن بعض الممارسات والسلوكيات الفردية التي كانت مرفوضة اجتماعيا في السابق، حتى وإن تمت برضا الأطراف، قد تترك آثارا بعيدة المدى على تماسك الأسرة والاستقرار المجتمعي.
وشدد على أن مراجعة التشريعات في إطار منظومة التحديث السياسي ليست عملية سهلة أو عشوائية وإنما تتطلب حوارا وطنيا موسعا يشارك فيه رجال القانون والدين والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية وعلماء الاجتماع والإعلام والصحافة بهدف الوصول إلى صيغة قانونية توازن بين حماية الحريات الشخصية وصون الاستقرار والأمن والسلم المجتمعي.
من جانبه، قال المحامي علاء عفيشات إن التشريعات الحالية توفر إطارا قانونيا كافيا ومتكاملا لحماية الحياء العام والآداب والعادات المجتمعية، مؤكدا أن المسألة لا تتطلب بالضرورة سن قوانين جديدة، بقدر ما تحتاج إلى حسن التطبيق والتفسير القضائي المرن الذي يستوعب مستجدات العصر ولا سيما في الفضاء الرقمي.
وأضاف عفيشات أن النصوص القانونية الحالية متماسكة وتفي بالغرض وأن التحدي الحقيقي لا يكمن بالضرورة في النصوص وإنما في تطوير آليات الرصد والتطبيق وتعزيز الوعي المجتمعي والتربوي، معتبرا أن القانون يمثل أداة للردع، فيما تسهم التوعية في بناء السلوك والوقاية من المخالفات.
وفيما يتعلق بحدود تدخل المشرع في تنظيم الحريات الشخصية، أوضح عفيشات أن المسألة تمس إحدى أدق الجدليات في الفقه الدستوري والقانوني المقارن والمتمثلة في الموازنة بين سلطة الدولة التنظيمية لحماية النظام العام والآداب العامة وبين الحريات الفردية التي يكفلها الدستور.
وأشار إلى إمكانية تشديد العقوبات لحماية الحياء العام، شريطة توافر الوضوح والدقة في تعريف الأفعال المجرمة والالتزام بمبدأ التناسب والعلنية، مؤكدا أن الحد الفاصل يكمن في عدم المساس بالجوهر الصلب للحرية الشخصية في المساحات الخاصة.
ودعا إلى التركيز على منع الضرر الفعلي والمباشر في الفضاء العام، بدلا من التوسع في فرض وصاية أخلاقية شاملة على الأفراد، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات الشخصية.

