صراحة نيوز – كتب ماجد القرعان
ليس من باب المقاربة أو بهدف التشبيه
تعد معلقة امرئ القيس الأيقونة الخالدة التي أسست لمذهب “الوقوف على الأطلال” في الشعر العربي.
وما لا يدركه كثيرون أن هذه الملحمة الشعرية ومبدعها ليسا غريبين عن الجغرافيا والتاريخ الأردني بل أجزم إن الأرض الأردنية وباديتها شكلتا مسرحاً لخطوات الشاعر، ومحطة رئيسية في تغريبته التاريخية الكبرى.
ففي مطلعه الشهير “بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ… فَتُوضحَ فَالـمِقْراةِ”، يوثق امرؤ القيس بحسه الجغرافي الدقيق أماكن ذكرياته حيث تشير الدراسات التاريخية والجغرافية للأدب الجاهلي إلى أن هذه المواضع تمتد وتتداخل مع بادية الشام وجنوب شرق الأردن ( وبوجه خاص امتداد وادي السرحان والبلقاء وعلبه تعد المعلقة وثيقة مكانية تتقاطع مع تضاريس الأردن وتاريخه الرعوي القديم وقد حملت اسماء العديد من المعالم في
الصحراء الأردنية
لم تكن صلة امرئ القيس بالأردن مجرد قوافل تمر، بل كانت محطة مصيرية في رحلته الشهيرة إلى القسطنطينية القاء الإمبراطور جوستنيان لطلب جيش يسترد به ملك أبيه المفقود:
سلك الشاعر في تغريبته الكبرى مساراً يمر مباشرة عبر تضاريس الأردن من الجنوب إلى الشمال، مستجيراً بقبائل بادية الأردن طلباً للمؤازرة والتحالف وانتهت هذه الرحلة المأساوية بوفاة الشاعر مسموماً في “أنقرة” (الأناضول) ومن مفارقات التاريخ أن جثمانه دُفن هناك، لتبقى ذكراه وقصته حية في الوجدان الثقافي للأردن وجيرانه كرمز للمغترب والباحث عن العدالة المفقودة.
تتنقل المعلقة عبر لوحات وجدانية استلهمها الشاعر من طبيعة المنطقة حيث وصف في إحداها الليل الطويل المتلاطم كأمواج البحر، وختم بلوحة السيل الجارف والبرق. وهي صورة حية تُحاكي “السيول الوميضية” المفاجئة التي تشتهر بها الأودية والبادية الأردنية حتى يومنا هذا.
وفي وصفه الشهير لحصانه (“مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا”)، يرسخ الشاعر قيم الفروسية والشجاعة العربية، وهي ذات القيم المتجذرة في ثقافة وشهامة أبناء البادية الأردنية.
ومعلقة “قفا نبك” لا تعيش في كتب التراث الأردنية فحسب، بل تمثل ركيزة في الهوية الثقافية حيث تُدرّس المعلقة في المدارس والجامعات الأردنية بوصفها القمة الهرمية للبيان العربي ويستحضر الأردنيون أبيات امرئ القيس في أدبيات الحنين إلى الديار، والوقوف على الآثار والتراث النبطي والروماني والإسلامي المنتشر في المملكة (كالأزرق، والبتراء، وقصور الصحراء).
معلقة امرئ القيس “قفا نبك” تتجاوز حدود الزمان والمكان الضيق؛ لتصبح إرثاً إنسانياً وعربياً يشكل الأردن جزءاً أصيلاً من فضاؤه الجغرافي والتاريخي.
لقد رحل الملك الضليل بجسده، لكن صرخته الإبداعية بقيت تتردد في فضاء البادية وفي وجدان الثقافة الأردنية، شاهدةً على أن الشعر هو ديوان العرب، وحارس تاريخهم الجغرافي والوجداني

