صفحة من القرآن بنحو 93 ألف دولار .. فما قصتها؟ 

5 د للقراءة
5 د للقراءة
صفحة من القرآن بنحو 93 ألف دولار .. فما قصتها؟ 

صراحة نيوز – ليست مجرد صفحة قديمة من القرآن الكريم، فبين حروفها المذهبة وزخارفها الدقيقة تختبئ حكاية ورشة فنية ازدهرت في بغداد قبل أكثر من 700 عام، وترك صانعوها بصماتهم على مصاحف ضخمة تفرقت صفحاتها لاحقا بين متاحف ومجموعات خاصة حول العالم.

 

وتستعد دار “كريستيز” للمزادات في لندن لعرض هذه الصفحة، التي يعود تاريخها إلى نحو عام 1310 ميلادية، ضمن مزاد للفنون الإسلامية والهندية يقام في 12 نوفمبر/تشرين الثاني، بتقدير يتراوح بين 50 ألفا و70 ألف جنيه إسترليني (نحو 66.3 ألف دولار إلى 93 ألفا).

 

من بغداد الإيلخانية

تعود الصفحة إلى العصر الإيلخاني، حين كانت بغداد مركزا مهما لصناعة المخطوطات القرآنية الفاخرة في ظل حكم الإيلخانيين (1256-1335). وتضم الآيات الثلاث الأولى من سورة الهمزة، وقد كُتبت في أربعة أسطر بخط يوصف بالمحقق، محاط بإطارات مذهبة وفضية وسوداء.

 

وتحيط بالنص زخارف متعددة الألوان، تتخللها وردات مذهبة تفصل بين الآيات، في حين كُتب اسم السورة بالخط الكوفي الأسود المحدد بالذهب، داخل لوحة زخرفية تتشابك فيها وحدات الأرابيسك، وتمتد منها زخرفة إلى هامش الصفحة.

 

وتكشف أبعاد الورقة عن حجم العمل الذي أُنجز فيها، إذ يبلغ طولها 57.7 سنتيمترا وعرضها 42.6 سنتيمترا، وهي من الأحجام الكبيرة التي ميزت بعض المصاحف البغدادية في تلك الفترة.

مزخرِف لا خطّاط

تنسب “كريستيز” زخارف الصفحة إلى محمد بن أيبك بن عبد الله، أحد أبرز مزخرفي المخطوطات في بغداد خلال العصر الإيلخاني، والذي امتدت أعماله المعروفة إلى الفترة بين عامي 1302 و1315 تقريبا.

 

ولم يكن ابن أيبك خطاطا، بل كان متخصصا في تذهيب المصاحف وزخرفتها، وارتبط اسمه بمصحفين ضخمين أُنتجا في بغداد، يُرجح أن الأول أُنجز برعاية السلطان غازان (1295-1304)، فيما ارتبط الثاني بعهد السلطان أولجايتو (1304-1316).

 

وكانت تلك المصاحف من أبرز نماذج الإنتاج الفني في عصرها، سواء من حيث حجم أوراقها وجودة صناعتها أو ثراء زخارفها. وتصف المؤرخة والباحثة شيلا بلير هذه الأوراق الكبيرة بأنها صُقلت حتى قاربت نعومتها سطح الزجاج، في إشارة إلى مستوى العناية التي حظيت بها صناعة الورق آنذاك.

 

وتتميز أعمال ورشة ابن أيبك بألوانها الزاهية وتفاصيلها الزخرفية المتأثرة بالفن الصيني، فضلا عن أساليب مبتكرة في تحديد الحروف وتزيين صفحات المصاحف، وهي سمات تظهر بوضوح في الورقة المعروضة بلندن.

 

“شقيقتها” في الدوحة

ومن أبرز ما يكشفه وصف دار المزادات وجود صفحة قرآنية أخرى في متحف الفن الإسلامي بالدوحة، تحمل الرقم “إم إس.643″، وترتبط بالعمل الفني نفسه.

 

فالصفحتان متطابقتان في الأبعاد تقريبا، وتحملان لوحة افتتاحية زخرفية متشابهة وميدالية هامشية متطابقة، مع اختلاف لون الخلفية في الصفحة المحفوظة بالدوحة. وترجح “كريستيز” أنهما كانتا جزءا من المخطوطة نفسها قبل أن تتفرق أوراقها.

 

وتعكس هذه الصلة جانبا من مصير المصاحف الضخمة التي أُنتجت في بغداد خلال العصر الإيلخاني، إذ لم تبق مجلداتها كاملة، بل توزعت أوراقها على مجموعات ومؤسسات مختلفة، لتظهر أجزاء منها في مجموعات متحفية متباعدة.

مَن كتب الآيات؟

ورغم وضوح نسبة الزخرفة إلى محمد بن أيبك، فإن هوية الخطاط الذي كتب النص ليست محسومة.

 

وتورد “كريستيز” رأيا للخطاط والباحث محمد زكريا يرى أن الزخرفة الفاخرة يمكن نسبتها بثقة إلى ابن أيبك، لكن الكتابة بخط المحقق لا تتبع قواعد هذا الخط بدقة، وهو ما يفتح احتمال أن يكون كاتبها شخصا من أفراد البلاط الملكي، لا أحد كبار الخطاطين المعروفين.

 

وتشير الدار إلى أن الصفحة كانت ضمن مجموعة خاصة في المملكة المتحدة بحلول عام 1971، وفق المعلومات المتاحة عن تاريخ ملكيتها، من دون تقديم تسلسل كامل لانتقالها بين المجموعات.

 

وتدخل الصفحة المزاد ضمن مجموعة تضم أكثر من 230 قطعة من الفنون الإسلامية والهندية، تشمل مخطوطات ولوحات وخزفا ومشغولات معدنية ومنسوجات.

 

وبعد أكثر من 7 قرون على إنتاجها في بغداد، تعود هذه الورقة إلى دائرة الاهتمام، حاملة تفاصيل مرحلة لم تكن فيها صناعة المصاحف تقتصر على كتابة النص، بل اجتمعت فيها مهارات الخط والتذهيب وصناعة الورق، في أعمال بقيت شواهد على ازدهار الفن الإسلامي في واحدة من أهم حواضره التاريخية.

 

المصدر: الجزيرة

شارك هذا المقال