صراحة نيوز – خليل النظامي
بالأمس جلست في المقهى أراقب تعليقات الأردنيين عبر منصات التواصل الاجتماعي،، وأسمع خطبهم وهي تسكب كالزيت الحار على الرؤوس سكبا،، فرأيت اردنا عجيبا،، الواجهة فيه من نور،، وخلفيته من نار،،، واللسان فيه مسبحة،،، واليد في الخفاء لا تعرف إلا الحساب،،،
وقد رأيت أن القوم قد أتقنوا فنا لا يدرس في مدارس،،، ولا ينال بشهادة،،، وهو فن التحول من خطيئة تمشي على قدمين،،، إلى موعظة تتكئ على عصا مهترئة،، فإذا ظهر أحدهم للناس صار شيخا في العادات والأصول،،، وإذا أغلق الباب عاد إلى سيرته الأولى،،، فكأن العلن دين،،، والخلوة دين آخر،،،
فتجد من أمضى عمره في الأسواق يطارد الفتيات،،، ويقيس الرجولة بعدد النظرات والهمسات،،، قد أصبح فجأة شيخ عشيرة،،، يتكلم عن الشرف كأنه اخترعه،،، ويوزع دروس الوقار على قوم يعرفون تاريخه كما يعرفون أسماء أولادهم.
وتجد من حرم أخته من ميراثها، وأكل حقها أكلا هنيئا مريئا،،، ثم خرج على الناس في ثوب الحكيم،،، يتحدث عن صلة الرحم،،، ويصلح بين العائلات،،، ويزن الرجال بميزان العدالة وكأن العدالة عنده تبدأ من بيوت الآخرين،،، أما بيته فله فيه فقه وشريعة خاصة،،،وتفسير مختلف،،،
وتجد من يمارس التحرش بالفتيات عبر وسائل التواصل،،، يرسل كلماته كما يرسل اللص يده في العتمة،،، ثم لا يلبث أن يخرج علينا حافظا للعادات والتقاليد،،، غيورا على الأخلاق،،، ومتألما على المجتمع،،، ومتبرما من الانحلال،،، وكأن أصابعه التي كتبت القذارة قد اغتسلت فجأة بماء الفضيلة زمزم،، وكأن الشاشة تمحو الذنب إذا سبقها منشور عن القيم،،
وهنا تعلم أن العادات في هذا المقام لم تعد ميزانا للخلق،،، بل صارت مسرحا للتمثيل يعتليه من أتقن الدور وليس من صلح فعله،،، فالعبرة عند القوم أصبحت ليس بما تفعل، بل بما تظهر،،، فإن أحسنت الاستعراض غفروا لك تاريخك كله،، وان تعثرت في العلن،، أقاموا عليك قيامة لا تبقي ولا تذر،،،
ثم اصعد من سوق المجتمع إلى مكاتب الدولة،،، فأجد الصورة نفسها ولكن بثياب أفخم وعطور أغلى وعبارات أشد تهذيبا،،،
فهناك ارى الوزير الفاسد يتحدث عن الأمانة والنزاهة،،، وينطق بالمصلحة العامة كأنها بعض أعضائه،،، ويقف أمام الكاميرا وقفة المتوضئ قبل الصلاة،،، بينما الملفات خلفه تئن من كثرة ما حملت من تبرير وتدوير وتجميل،،،
وارى الخائن لتراب الوطن يتكلم وكأنه الحارس على حدوده،،، والحامل لهمه،، والساهر على مصالحه،،، فيقسم بترابه ويذرف عليه من الكلمات ما يذرفه العاشق على حبيبته،،، ولو نطق التراب نفسه لقال له هون عليك،،، فقد داستني قدماك قبل أن تمتدحني شفتاك،،،،
وهنا يلتقي شيخ العادات والتقاليد بوزير ومسؤول الفساد في مرآة واحدة،،، هذا يسرق المعنى باسم الشرف،،، وذاك يسرق الوطن باسم الشرف الوظيفي،،، وهذا يحرم الناس من حريتهم بانغلاقه،،، وذاك يحرمهم من حقوقهم ويحطم أحلامهم،،، وهذا يلوح بسوط العيب،،، وذاك يلوح بخطاب النزاهة والأمانة،،،
وكلاهما واحد في الجوهر،، ملك على المنصة الجماهيرية،،، وشيطان رجيم في الخلوة،،
فما الفرق بين من يحرم أخته من ميراثها ثم يتصدر مجلس الإصلاح، وبين من ينهب حق الناس ثم يحدثهم عن الشفافية،،!؟؟؟
وما الفرق بين متحرش يلبس ثوب الحارس على القيم،، وبين مسؤول يبدد المال العام ثم يتصدر هيئة التكريم،،
لقد صار المجتمع عندنا مسرحية عرض كبرى،،، الرفوف فيها مرتبة،، واللافتات براقة،، وكل شيء يلمع من بعيد،،، فإذا دخلت إلى كواليسها وجدت البضاعة على حقيقتها،،، هذا يبيعك الشرف وهو مفلس منه،،، وذاك يبيعك الأمانة وهو مدين لها من رأسه إلى قدميه،،،
ولذلك لا تعجب حين ترى أشد الناس صراخا باسم العادات والتقاليد أكثرهم حاجة إلى ستار لعيوبهم،،، ولا تستغرب حين تجد أكثر المسؤولين حديثا عن النزاهة أحرصهم على دفن فساده،،،
هذا هو مشهد وطني كما هو بلا رتوش ولا مجاملة،، أمام الناس ملائكة يوزعون صكوك الطهر،، وفي الخلوات شياطين يعيدون كتابة الحلال والحرام على مقاس الشهوة والمصلحة،،
فإذا سألت عن سر هذا الخراب،،، فالجواب بسيط،،،
نحن لا نحاكم الفعل بل نحاكم الصورة،، ولا نكافئ الصدق بل نكافئ حسن التمثيل،،
لذلك كثر الوعاظ والشيوخ وقل الشرفاء وأصحاب الضمير،، وكثرت خطب النزاهة،،، وقلت الأيدي النظيفة،،
وصار القوم يحللون لأنفسهم الجمل بما حمل،،، ويحرمون على غيرهم حتى ظله إن مر على رصيف مهترىء،،،،،

