تفاوض على حافة الهاوية: حين تتحول الدبلوماسية إلى أداة صراع مفتوح

6 د للقراءة
6 د للقراءة
تفاوض على حافة الهاوية: حين تتحول الدبلوماسية إلى أداة صراع مفتوح

صراحة نيوز- صالح الشراب العبادي

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مجرد خلاف سياسي تقليدي يمكن احتواؤه عبر جولات تفاوض روتينية، بل تحولت إلى مشهد معقد نتداخل فيه أدوات الضغط العسكري مع الرسائل السياسية، وتُدار فيه المواقف بعناية فائقة على حافة الانفجار ، ما يجري اليوم ليس تفاوضًا بالمعنى الكلاسيكي، بل هو صراع إرادات يُدار تحت سقف الدبلوماسية، حيث تستخدم الكلمات كغطاء، فيما تتحرك القوة في الخلفية كعامل حاسم في رسم ملامح النتائج.

في طهران، يبدو الخطاب متماسكًا إلى حد كبير، ليس من حيث النبرة فقط، بل من حيث البنية الاستراتيجية التي نقف خلفه ، جميع التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين تعكس ثباتًا واضحًا على مبدأ رفض التفاوض تحت الضغط، ورفض أي صيغة يمكن أن تُفهم باعتبارها استسلامًا أو رضوخًا لإملاءات خارجية ، هذا الموقف لا يُقرأ فقط في سياق الخطاب الداخلي، بل يتجاوز ذلك ليكون رسالة موجهة مباشرة إلى واشنطن، مفادها أن إيران مستعدة للانخراط في عملية تفاوضية، ولكن وفق شروط تضمن لها موقع الندية، لا موقع الطرف المُجبر على القبول .

غير أن هذا الرفض الظاهري لا يعني إغلاق الباب أمام الحلول السياسية، بل يعكس تكتيكًا دقيقًا يقوم على الفصل بين رفض الأسلوب وقبول المبدأ. فإيران لا تقول لا للتفاوض ، بل تقول لا للتفاوض بهذه الطريقة ، وهو فارق جوهري في علم إدارة الأزمات ، إنها تحاول إعادة تعريف قواعد اللعبة، بحيث تدخل إلى الطاولة من موقع قوة، مستندة إلى عناصر ردع تسعى إلى ترسيخها في الوعي الأمريكي قبل أي خطوة تفاوضية جدية.

في المقابل، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك ضمن مساحة ضبابية، تتسم بتضارب التصريحات وتباين الإشارات الصادرة عن دوائر القرار ، فالرئيس دونالد ترامب يطلق مواقف متناقضة تتراوح بين التهديد الصريح والتلميح بإمكانية التوصل إلى اتفاق، في حين أن الجدل حول مشاركة جيدي فانز في المفاوضات يعكس حالة من عدم الاستقرار في رسم ملامح الدور الأمريكي في هذه المرحلة الحساسة. لكن هذا التناقض قد لا يكون عشوائيًا كما يبدو، بل يمكن قراءته لجزء من استراتيجية مدروسة تقوم على خلق حالة من عدم اليقين لدى الطرف المقابل.

هذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بسياسة اللايقين المتعمد ، تهدف إلى إرباك الخصم ودفعه إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط الغموض ، فعندما لا يكون واضحًا ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو التصعيد أو التهدئة، يصبح من الصعب على طهران بناء حسابات دقيقة، وهو ما قد يدفعها إلى تقديم تنازلات استباقية لتفادي سيناريوهات أسوأ ، إنها لعبة نفسية بامتياز، تُدار بعناية في كواليس السياسة الدولية، وتُستخدم فيها الرسائل المتناقضة كأداة ضغط لا تقل فاعلية عن القوة العسكرية.

أما باكستان، التي تحتضن هذه الجهود الدبلوماسية، فتتبنى نهجًا مختلفًا يقوم على الصمت المدروس. فإسلام آباد تدرك أن أي تصريح قد يُفسر على أنه انحياز لأحد الطرفين، وهو ما قد يضعف موقعها كوسيط محايد ، لذلك، تفضل العمل بعيدًا عن الأضواء، مركزة على إدارة القنوات الخلفية وتسهيل التواصل بين الأطراف دون الدخول في تفاصيل قد تُفسد مسار التفاوض. هذا الدور، رغم هدوئه الظاهري، يحمل في طياته أهمية كبيرة، إذ أن نجاح أي عملية تفاوضية يعتمد في جزء كبير منه على قدرة الوسيط على الحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف المتنازعة.

غير أن الصورة الكاملة تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا وخطورة ، ما يجري اليوم ليس مجرد محاولة للوصول إلى اتفاق، بل هو إدارة لحالة اشتباك مؤجل، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة ، في هذا السياق، نتقاطع ثلاث معارك رئيسية: معركة التوقيت، حيث يحاول كل طرف فرض إيقاعه الزمني على الآخر؛ ومعركة السقف، التي تتعلق بتحديد نطاق القضايا المطروحة على طاولة التفاوض؛ ومعركة الصورة، التي تهدف إلى تحقيق انتصار معنوي أمام الداخل والخارج على حد سواء.

إيران، من جهتها، تستخدم أدوات الردع كوسيلة تفاوض، من خلال إبراز قدراتها العسكرية وإظهار جاهزيتها لمواجهة  أي سيناريو. هذه الرسائل لا تستهدف إشعال الحرب بقدر ما تهدف إلى منعها، عبر رفع كلفة أي خطوة تصعيدية قد تفكر فيها واشنطن ، في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على سياسة الضغط المركب، التي تجمع بين التهديد بالعقوبات والتلويح بالحيار العسكري، في محاولة لدفع إيران إلى القبول بشروط أكثر صرامة.

لكن الأخطر في هذا المشهد لا يكمن في التصعيد ذاته، بل في هشاشة التوازن القائم. فعندما تُدار الأزمات على هذا المستوى من التوتر، يصبح احتمال الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة أمرًا واردًا في أي لحظة. خطأ في التقدير، أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر، قد يكون كافياً لإشعال فتيل صراع لا يمكن احتواؤه بسهولة.

وفي ظل هذا الواقع، تقف المنطقة أمام مفترق طرق حاسم.

إما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في تحويل هذا التوتر إلى اتفاق يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، أو أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التصعيد، قد تتجاوز حدود المواجهة التقليدية لتشمل أبعادًا إقليمية أوسع.

في النهاية، يمكن القول إن ما نشهده اليوم يعكس تحولاً عميقًا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد الحروب تبدأ بإطلاق النار، بل تبدأ عندما تفشل الدبلوماسية في احتواء التوترات، وعندما تتحول أدوات التفاوض نفسها (بحرية واقتصادية وعسكرية وسياسية) إلى وسائل ضغط قد تخرج عن السيطرة ، وبين هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال مفتوحًا: ونحن نقترب من نهاية الهدنة ، هل تنجح السياسة في كبح جماح القوة ، أم أن القوة ستفرض منطقها في نهاية المطاف؟

Share This Article