صراحة نيوز- العميد الركن ( م)
صالح الشرّاب العبادي
كاتب ومحلل شؤون سياسية وعسكرية
لم يعد تمديد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران مؤشرًا على انفراج قريب، بقدر ما يعكس حالة “هدوء حذر” يخفي خلفه تصعيدًا مركبًا سياسيًا وعسكريًا، قد ينفجر في أي لحظة. فبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة مع استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، فان القوات على الارض في أعلى درجات الجاهزية للحرب ، وهذه رسالة واضحة: الهدنة ليست نهاية الصراع، بل إعادة تموضع واستعداد .
في المقابل، حملت الإشارات الأمريكية الأخرى دلالات أكثر تعقيدًا فيما يخص مستوى التمثيل الدبلوماسي للمفاوضات ما يعكس تراجعًا ضمنيًا في الزخم الدبلوماسي بعدم مشاركة نائب الرئيس الأميركي الذي شارك في الجولة الأولى ، وهذا يعتبر تشكيك بجدوى الجولة المقبلة ، ولكن هذا لن يكون قرار نهائي لترامب حيث من المتوقع في لحظة يسمح لنائبه الانخراط في المفاوضات في إسلام أباد.
ورغم الجهود التي تقودها باكستان لجمع الأطراف، والترحيب بتمديد الهدنة، فإن الرؤية من طهران تبدو أكثر تشددًا واعتبرت طهران أن التمديد ليس سوى “مناورة لكسب الوقت” تمهيدًا لهجوم مباغت، وان الحصار البحري لا يقل خطورة عن القصف العسكري، بل قد يكون مقدمة له.
الحصار البحري: أداة تفاوض أم إعلان حرب؟
في قلب هذا المشهد، يبرز الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية كأخطر عناصر التصعيد ، فطهران تعتبره انتهاكًا صريحًا لوقف إطلاق النار ، وتشترط رفعه كمدخل لأي مفاوضات جدية. أما واشنطن، فتقدمه كأداة ضغط قصوى لإجبار إيران على تقديم تنازلات، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي ، وحرمانها من الحصول على موارد النفط الهائلة لخنق ايران والتأثير عليها بشكل مباشر وكذلك لخلق حالة فوضى داخلية وانقسام داخلي ..
تصريحات ترامب ذهبت أبعد من ذلك، حين أعلن أن مضيق هرمز “تحت السيطرة الأمريكية بالكامل”، وأن أي سفينة لن تصل إلى الموانئ الإيرانية دون موافقة واشنطن. هذه اللغة لا تعكس مجرد ضغط سياسي، بل تؤسس لواقع جيوسياسي جديد يحاول إعادة تعريف السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
كما لم يتردد ترامب في التأكيد على أن إدارته “دمرت القدرات العسكرية الإيرانية”، من الأسطول البحري إلى الدفاعات الجوية، في خطاب يحمل طابع الردع وتبرير اي خطوة قادمة لاستئناف المفاوضات في وقت تتراجع بشكل كبير جداً شعبيته والذي يربك اتخاذ اي خطوات قادمة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن قلق أمريكي من قدرة إيران على الصمود والمناورة.
السردية الأمريكية مقابل الواقع الإيراني
تحاول واشنطن رسم صورة تفوق مطلق، مدعومة بخطاب سياسي وإعلامي متماسك ، مع أشارت إلى “انقسام داخلي إيراني” كسبب لتعثر المفاوضات، في محاولة لتقويض صورة التماسك داخل النظام الإيراني.
لكن هذه السردية تواجه تشكيكًا واسعاً فالتأجيل او تمديد الهدنة من اجل المفاوضات لا يرتبط بالوضع الإيراني، بل بالحاجة إلى استكمال التحشيد العسكري البحري والبري والجوي ، في مؤشر على استعداد لسيناريو عسكري واسع.
بمعنى آخر، الهدنة وتمديدها ، قد لا تكون سوى غطاء لإعادة التموضع، وليس خطوة نحو المفاوضات .. وان كانت تكاد تكون قريبة خلال هذا الاسبوع إذا ما قررت امريكا رفع الحصار ولو جزئياً..كبادرة حسن نية ..
إيران: تفاوض بشروط السيادة
في المقابل، ترفض طهران التفاوض تحت الضغط، وتتعامل مع الحصار كخط أحمر وهو خرق للهدنة وهي بذلك تحاول فرض معادلة جديدة: لا مفاوضات دون رفع الحصار، ولا تنازل عن “حقوق غير قابلة للمساومة” ، وهذا دليل على تاثير الحصار البحري بشكل كبير على الداخل الايزانب
هذا الموقف يعكس تحولًا في الاستراتيجية الإيرانية، من الدفاع إلى فرض الشروط، مستفيدة من إدراكها لحساسية واهمية مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية ، فإغلاقه أو تعطيله لا يضر إيران وحدها، بل يضرب الاقتصاد العالمي، وهو ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية ، حتى مع تأثيره الهائل عليها ..
بين الدبلوماسية وحافة الانفجار
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو تسوية قريبة، بل نحو مرحلة أكثر تعقيدًا. الهدنة الحالية ليست سوى استراحة تكتيكية، يستخدمها كل طرف لإعادة ترتيب أوراقه.
الولايات المتحدة تسعى إلى فرض واقع بالقوة، وإجبار إيران على التفاوض بشروط أقرب إلى الاستسلام.
أما إيران، فتراهن على الصمود وكسر الحصار، ولو عبر التصعيد ، ولا مفاوضات قبل كسر الحصار على هرمز.
وبين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز نقطة الاشتعال الأخطر، حيث قد يتحول أي خطأ في الحسابات إلى مواجهة مفتوحة، تتجاوز حدود الإقليم إلى العالم بأسره عسكرياً ، كما هو الان باسط تأثيره الآن اقتصاديا ..

