رسالة إلى مشجعي الحسين إربد والفيصلي: الأردن أكبر من الكل

4 د للقراءة
4 د للقراءة
رسالة إلى مشجعي الحسين إربد والفيصلي: الأردن أكبر من الكل

صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعدة
بعض المباريات تُحسم في الملعب… وبعضها يكشف ما في المدرجات من وعي أو فوضى.
وفي اللحظات التي يعلو فيها الهتاف، ويشتد فيها التنافس، لا يعود السؤال: مَن سيفوز؟ بل: كيف سنختلف؟ وكيف سنحافظ على أخلاقنا ونحن في ذروة الانفعال؟ فالأندية، مهما كبرت، تبقى جزءًا من وطن، والوطن لا يجوز أن يتحول إلى ساحة احتقان بسبب مباراة، ولا أن تُختزل هيبته في شتيمة عابرة أو تعصّب أعمى لا يشبه الأردنيين ولا أخلاقهم.

في المباريات الكبرى، لا يُختبر اللاعبون وحدهم، بل يُختبر وعي الناس أيضًا.
فحين تضيق المسافة بين الحلم والخسارة، ترتفع الأصوات، وتشتعل المشاعر، وتتحول المدرجات إلى مرايا تكشف ما بداخل النفوس؛ أخلاقًا كانت أم احتقانًا.

الرياضة وُجدت لتكون مساحة فرح، لا ساحة لتفريغ الكراهية.
لكن المؤسف أن بعض الناس لا يدخل المباراة وفي قلبه حبّ لفريقه، بل يدخلها محمّلًا بغضب قديم، يبحث عن خصم يهينه، لا عن انتصار يحتفل به. وكأن الكرة لم تعد لعبة، بل ذريعة مؤقتة لإخراج ما تراكم في الداخل من توتر وضيق وعدوانية.
وهنا تبدأ الخطورة.
حين يصبح الشتم جزءًا من التشجيع، والإساءة نوعًا من الوفاء، والاستفزاز بطولة جماهيرية، فإننا لا نكون أمام تعصّب رياضي فقط، بل أمام محاولات بائسة لزرع الانقسام داخل مجتمع يعرف جيدًا أن الأردن أكبر من كل من يحاول العبث بعقله الجمعي أو إشعال التعصّب الأعمى بين أبنائه.
فالأردني الحقيقي لا تسمح له أخلاقه أن يحوّل مباراة إلى معركة كراهية، ولا أن يجعل من المدرجات منابر للشتائم والتحريض؛ لأن الانتماء للوطن يجب أن يبقى أعلى من أي انتماء آخر، وأكبر من أي لون أو شعار أو نتيجة.
المؤلم أن بعض الجماهير تنسى أن المباراة ستنتهي خلال ساعات، بينما تبقى الكلمات الجارحة، والصور المشحونة، والاحتقانات التي تُزرع بين الناس لسنوات.
أيُّ فوز هذا الذي يجعل الشوارع متوترة، والصداقات قابلة للكسر، والناس مستعدة للاشتباك من أجل كرة تعبر خطًّا أبيض ثم تنتهي الحكاية؟
لقد تحوّلت بعض منصات التواصل إلى مدرجات إلكترونية مشتعلة، لا يُسمع فيها صوت الرياضة، بل صوت الغضب. الجميع يصرخ، والجميع يهاجم، وكأن القضية حرب كرامة وطنية لا منافسة رياضية. والأسوأ أن هناك من يؤجج هذا المشهد؛ لأنه يجد في الفوضى متعة، وفي التحريض بطولة مجانية، غير مدرك أن الأردن أكبر من كل مثيري التعصّب الأعمى، وأوعى من أن يُستدرج إلى الفتنة بسبب مباراة.
وحين تتحول المدرجات إلى مصانع للكراهية، تخسر الرياضة حتى لو امتلأت الكؤوس.
الحماس جميل، نعم.
والانتماء جميل، نعم.
لكن أجمل ما في الرياضة أن تختلف وأنت ما تزال قادرًا على احترام الآخر. أما حين يفقد الإنسان أخلاقه في لحظة تشجيع، فهو لا ينتصر لفريقه بقدر ما يهزم نفسه أمام الناس.
الرياضة أخلاق قبل أن تكون نتائج.
والمدرج الحقيقي ليس الأكثر صراخًا، بل الأكثر وعيًا.
أما الذين يعتقدون أن الشتيمة قوة، والإهانة شجاعة، فهم لا يدافعون عن أنديتهم، بل يسيئون إليها أكثر مما يسيئون لخصومها.
وفي النهاية، ستنطفئ الأضواء، وستُطوى صفحات البطولة، وسيبقى سؤال واحد فقط:
هل كنّا جماهير تُحب الرياضة فعلًا، أم جماهير تبحث عن أي مناسبة لتُخرج أسوأ ما فيها؟
سيبقى الأردن أكبر من كل أصوات الكراهية، وأكبر من كل محاولات بثّ التعصّب والانقسام.
أما الفوز الحقيقي، فهو أن نخرج من المباراة كما دخلناها: مختلفين في التشجيع، متفقين في الأخلاق، موحَّدين تحت راية الوطن.

Share This Article