صراحة نيوز- استهل ّرئيس “المنتدى” الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرحمن اللقاء بالترحيب بالحضور في المحاضرة ما قبل الأخيرة ضمن الموسم الثقافي لـ«منتدى العصرية»، مؤكداً أن المنتدى ظلّ وفياً لتقليد راسخ يقوم على مقاربة القضايا السياسية من مدخل فكري نقدي، قبل أن يشير إلى أن لقاء هذه الليلة يحمل «نكهة خاصة» كونه يستضيف أحد أبناء فلسطين من داخل أراضي عام 1948، ممن طالما اشتاقت النخبة الأردنية والفلسطينية إلى لقائهم في مراحل كان التواصل فيها أكثر صعوبة وتعقيداً.
ثم قدّم الدكتور أسعد الضيف بكلمات مكثفة ودالة، واصفاً الأستاذ (أنطوان شلحت) بأنه «مفكّك في التحليل السياسي» لا يكتفي بسرد الوقائع، بل ينفذ إلى البنى الداخلية للمجتمع الإسرائيلي في أبعادها الثقافية والاقتصادية والدينية، ليستخلص الفجوات العميقة التي تربط بين الظواهر والتحولات. كما استحضر لقاءات سابقة جمعته بشلحت ومحمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو علاوة على كوكبة من المثقفين الفلسطينيين في لندن في عام 1982، والتي تركت ــ بحسب تعبيره ــ أثراً معرفياً وشخصياً عميقاً.
وأعلن عبد الرحمن عنوان المداخلة: «مستقبل حكومة نتنياهو»، مشيراً إلى أن بنيامين نتنياهو تحوّل إلى شخصية مركزية في تاريخ المستعمرة الإسرائيلية، بوصفه «ساحر إسرائيل» الذي حكم مدة أطول من ديفيد بن غوريون نفسه، وحفيد السلالة الفكرية لجابوتنسكي، حيث ظل جوهر مشروعه السياسي معبّراً عن أقصى اليمين حتى عندما ارتدى أحياناً قناع الوسطية، قبل أن ينكشف بصورة أكثر صراحة خلال السنوات الأخيرة في سعيه إلى تكريس إسرائيل بوصفها «الدولة المهيبة على الإقليم الشرق أوسطي» وتصفية الطموح الوطني الفلسطيني.
من جهته، بدأ الأستاذ (أنطوان شلحت) مداخلته بالتأكيد على أنه يفضّل أن يكون اللقاء حواراً مفتوحاً أكثر منه محاضرة أحادية الاتجاه، مقترحاً تقديم استهلال أولي يثير الأسئلة والتعقيبات بما يجعل النقاش أكثر حيوية وتفاعلاً.
وانتقل الاستاذ المحاضر مباشرة إلى جوهر الموضوع، مشيراً إلى أن مستقبل حكومة نتنياهو يتحدد على خلفيات متشابكة داخلية وخارجية، في ظل تحولات غير مسبوقة تعيشها الساحة الإسرائيلية، أبرزها احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة بفعل أزمة تجنيد الحريديم، والتوترات داخل الائتلاف الحاكم، ومشروع قانون حل الكنيست الذي تقدمت به المعارضة. كما أوضح أن الحكومة لم تتمكن حتى الآن من إنتاج صيغة مستقرة لمسألة إعفاء الحريديم من التجنيد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية الناتجة عن استمرار الحرب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الأمر الذي دفع المؤسسة العسكرية الاسرائيلية للمطالبة بتمديد الخدمة الإلزامية لتعويض النقص الحاد في القوى البشرية. وكشف (شلحت) عن تحذير لافت لقائد الجيش الإسرائيلي الحالي إيال زمير، قال فيه إن “تشكيلات الاحتياط باتت على شفا الانهيار”.
وأشار المحاضر إلى أن الجيش الإسرائيلي، الذي اعتاد تاريخياً على الحروب القصيرة، بات يخوض حروباً ممتدة ومتعددة الجبهات تشمل قطاع غزة ولبنان وإيران والضفة الغربية، مؤكداً أن المشهد السياسي الإسرائيلي يعيش انقساماً غير تقليدي، لا يقوم على اختلاف البرامج السياسية بقدر ما يتمحور حول الموقف من شخص نتنياهو ذاته: تأييداً أو رفضاً.
وفي تفكيكه للخريطة الحزبية الإسرائيلية، أوضح (شلحت) أن المشهد يتوزع بين معسكر نتنياهو ومعسكر خصومه، فيما تبقى الأحزاب العربية عاملاً مرجحاً حسابياً من دون أن تتحول إلى شريك حاكم فعلي داخل البنية السياسية الإسرائيلية الراهنة. وأكد أن أي حكومة مقبلة، حتى في حال غياب نتنياهو شخصياً، ستظل محكومة بسقف أيديولوجي يميني واسع ومتطرف، في ظل تراجع ما كان يسمى «اليسار الصهيوني» وانحسار تأثيره السياسي والتنظيمي.
وفي قراءته لشخصية نتنياهو، رسم (شلحت) صورة لأزمة متعددة المستويات: أزمة قضائية مرتبطة بمحاكمات الفساد، وأزمة سياسية ناجمة عن الشرخ الداخلي الذي أحدثته خطة «الإصلاح القضائي»، وأزمة استراتيجية مرتبطة بفشل آلة الحرب الصهيونية في تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة ولبنان وإيران.
وكشف المحاضر، في سياق حديثه، عن واقعة نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، مفادها أن رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت قدم لنتنياهو استراتيجية مستوحاة من خطاب بار إيلان عام 2009، إلا أن نتنياهو طلب ــ بحسب الرواية ــ «جمع كل الوثائق التي تتحدث عن حل الدولتين وإبادتها»، معلناً أنه لا يؤمن أصلاً بقيام دولة فلسطينية.
وأضاف (شلحت) أن ما يسمى بـ«إسرائيل الجديدة» بعد السابع من أكتوبر ليس قطيعة مع الماضي، بل إعادة إنتاج أكثر كثافة وصراحة لمنطق القوة ذاته، مؤكداً أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تبدو في ثوب جديد، لكن هذا الثوب الجديد له أصول في الثوب القديم». وأشار في هذا السياق إلى خلاصات تقارير بحثية إسرائيلية وفلسطينية، بينها تقرير مركز «مدار» وورقة صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، خلصت إلى أن استراتيجية «فائض القوة» التي انتهجتها حكومة نتنياهو قادت إلى مأزق بنيوي يتجلى في العجز عن الحسم، وتآكل الشرعية الدولية، وتراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، خصوصاً بين فئات الشباب. ثم استحضر (شلحت) في هذا السياق قول الكاتب الإسرائيلي الساخر كوبينين: “أنتم تقولون هذه إسرائيل الجديدة، لكنها الصهيونية قلباً وقالباً”.
وفي ختام مداخلته، أكد (شلحت) أن الانتخابات المقبلة، حتى لو أطاحت بنتنياهو، لن تنتج تحولاً جذرياً في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل ستعيد إنتاج الأزمة نفسها بصيغ مختلفة.
بعدئذٍ، جرى فتح باب الحوار أمام الحضور الذين طرحوا مداخلات وأسئلة عديدة تناولت احتمالات انهيار الجيش الإسرائيلي، وتأثير المقاطعة الدولية، وسيناريو رفض نتنياهو لنتائج الانتخابات إذا خسرها. وفي هذا الحوار الطويل، تولى الاستاذ الامحاضر الاجابة عن الاسئلة المتنوعة كما قدم تعليقاته على المداخلات.
واختتم الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرحمن اللقاء بتوجيه الشكر للأستاذ أنطوان شلحت على مداخلته العميقة والغنية، مشيداً بقدرته على تفكيك البنى الخفية للمشهد الإسرائيلي بعيداً من السرديات الجاهزة، فيما غادر الحضور القاعة وقد حمل بعضهم أسئلة أكثر من الإجابات، في مشهد بدا أقرب إلى وظيفة المنتدى الأساسية: إثارة التفكير لا تقديم اليقين.

