صراحة نيوز – بقلم الباحث الإعلامي محمد ماجد القرعان
أكتب هذا المقال لا بصفتي ابنًا فقط، بل بصفتي شاهدًا على ما جرى مع والدي الصحفي ماجد القرعان؛ شاهدًا على التشهير، والصمت، والعقوبة غير المفسّرة، ومحاولة ترك رواية الخصم وحدها في المجال العام.
حين كتب الصحفي ماجد القرعان مخاطبًا دولة الرئيس بعبارة: “دولة الرئيس يا صديقي سابقًا… فنجل عيونك”، لم يكن يكتب من موقع الخصومة الشخصية، ولا من باب المناكفة السياسية، بل من موقع رجل خدم الدولة والإعلام والناس لأكثر من أربعين عامًا، وعرف أن الخطر لا يأتي دائمًا من القرار المعلن، بل أحيانًا من البطانة، ومن الهمس خلف الأبواب، ومن المؤسسات التي ترى الظلم ثم تتصرف وكأنها لم ترَ شيئًا.
إن عبارة “يا صديقي سابقًا” ليست تفصيلًا عابرًا. إنها إعلان خيبة. بل هي، في عمقها، إعلان سقوط ثقة.
فحين يقول رجل بحجم ماجد القرعان لرئيس حكومة: “يا صديقي سابقًا”، فهو لا يطلب خدمة شخصية، ولا يستجدي موقفًا خاصًا، بل يقول إن شيئًا ما انكسر. انكسر الظن بأن المعرفة القديمة تكفي كي يصل الصوت.ط وانكسر الاعتقاد بأن الصحبة السابقة والرفقة وظيفيا قد تمنع الظلم.
كما انكسر الأمل بأن من عرف الحقيقة عن قرب لن يسمح بأن يُترك صحفي أردني وحيدًا أمام التشهير والعقوبة والصمت.
فالصداقة التي لا تتحرك عند الظلم ليست صداقة والمعرفة التي لا تمنع الأذى لا قيمة سياسية ولا أخلاقية لها.
يا دولة الرئيس،
هل جرى كل هذا دون أن تعلم؟
هل تحركت جهات، وضغطت مؤسسات، وصمتت نقابة، وتعرض صحفي معروف لحملة تشهير علنية، ثم مُنع من مزاولة المهنة ثلاث سنوات، وكل ذلك في فضاء سياسي وإعلامي ضيق، دون أن يصل إليك شيء؟
إن لم تكن تعلم، فتلك مصيبة في إدارة المشهد.
وإن كنت تعلم وسكتت ، فالمصيبة أكبر لأن الخطر هنا لا يكمن فقط فيمن ظُلم، بل فيمن فهم أن الصمت من فوق يمنحه ضوءًا أخضر.
ومن هنا لم تعد عبارة “صديقي سابقًا” مجرد عتاب، بل أصبحت سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا قاسيًا:
هل حدث ما حدث لأن المسؤول الأول لم يكن يعلم؟ أم حدث لأن الصمت فُهم كموافقة ضمنية؟ وفي الحالتين، كلمة “سابقًا” لم تأتِ عبثًا.
لكن السؤال اليوم لم يعد موجّهًا إلى دولة الرئيس وحده.
السؤال اليوم إلى نقابة الصحفيين أولًا:
هل فنجلت النقابة عينيها فعلًا على ما جرى مع الصحفي ماجد القرعان؟ أم أغمضت عينيها عندما كان التشهير به علنيًا، ثم فتحتهما فقط عندما أرادت معاقبته؟
ما حدث مع ماجد القرعان ليس مجرد خلاف بين أعضاء نقابة، كما حاولت النقابة أن تصفه في البداية وليس مجرد ملف تأديبي عابر فنحن أمام حالة كاملة من الصمت، والانتقائية، وترك الضحية وحده أمام حملة تشهير ممنهجة، ثم إصدار عقوبة قاسية بحقه دون أن تشرح النقابة للناس لماذا عاقبته.
وهنا تكمن الخطورة
قبل العقوبة كان النائب حسين العموش قد شهر بالصحفي ماجد القرعان علنًا، واستخدم بحقه أوصافًا مسيئة ومهينة، من بينها وصفه بـ“السبعيني المبتز”، وغيرها من عبارات التحقير والتشويه.
لم تكن هذه همسات في جلسة مغلقة، بل منشورات ومواقف علنية مست كرامة صحفي وسمعة مؤسسة إعلامية.
قُدمت شكاوى إلى نقابة الصحفيين بشأن هذا التشهير.
لكن ماذا فعلت النقابة؟
لم تتحرك بما يليق بخطورة المساس بكرامة عضو من أعضائها ولم تصدر توضيحًا ولم تقل للرأي العام إن ما يُقال عن ماجد القرعان صحيح أو غير صحيح ولم تحمِ حقه المعنوي ولم تضع حدًا لحملة التشهير بل اختارت أن تصف المسألة وكأنها “خلاف بين أعضاء نقابة”.
لكن المفارقة أن النقابة التي رأت التشهير بماجد القرعان مجرد خلاف بين أعضاء، عادت لاحقًا وبدأت باستقبال الشكاوى ضده، وتحويله إلى المجلس التأديبي وصولًا إلى منعه من مزاولة المهنة لمدة ثلاث سنوات دون أن تتيقن من مؤهلات رئيس وأعضاء المجلس ومسيرتهم العملية التي من شأنها أن تمكنهم من التحقيق وإسناد التهم والتوصية بالعقوبات
ثلاث سنوات عقوبة ثقيلة على صحفي أمضى عمره في المهنة، لكن الأثقل منها أن النقابة لم تفصح للرأي العام عن سبب العقوبة بوضوح
لم تقل للناس: لماذا عوقب ماجد القرعان؟
لم تقل ما الواقعة المحددة؟ وبيان إن كانت العقوبة مرتبطة بما كان يروّجه خصومه عنه؟
ولم تقل هل ما قيل عنه من حسين العموش صحيح أم افتراء واقله أن ترد على ما ورد في منشوراته ونسبه للنقابة سواء جاء بصيغة أمر أو توجيه ؟
وهنا لم يعد الصمت تفصيلًا إداريًا بل أصبح أداة لصناعة الانطباع فحين يتعرض صحفي لحملة تشهير علنية، ثم تصمت نقابته عن التشهير ثم تعاقبه لاحقًا دون تفسير كما حصل، فإن النقابة لا تترك الناس أمام الحقيقة، بل تتركهم أمام رواية الخصم وحدها وهذا هو جوهر الخطر.
النقابة لم تشرح سبب العقوبة، فتركت حسين العموش يشرحها للناس بطريقته ولم تدافع عن حق ماجد القرعان في التوضيح، فتركت حملة التشهير تبدو وكأنها كانت مقدمة لعقوبة مستحقة.
النقابة لم تقل إن وصف صحفي بـ“المبتز” يحتاج إلى دليل ومحاسبة، فتركت الوصف يتجول في الفضاء للعامة وكأنه حقيقة غير قابلة للنقاش.
أي عدالة نقابية هذه؟
كيف تصبح كرامة الصحفي “خلافًا بين أعضاء” عندما يكون هو المتضرر، ثم تصبح الشكاوى ضده ملفًا تأديبيًا ساخنًا عندما يريد الآخرون معاقبته؟
كيف يُترك من يتعدى حدوده بلا مساءلة حقيقية، ثم يُساق المتضرر إلى التأديب؟
كيف تصمت النقابة عندما يُشهر بعضو من أعضائها، ثم تصدر بحقه عقوبة كبرى دون أن تحميه من الأثر المعنوي والاجتماعي لتلك العقوبة؟
الأخطر أن العقوبة لم تأتِ في فراغ بل جاءت بعد حملة تشهير، وبعد أوصاف جارحة، وبعد شكاوى تجاهلتها النقابة، وبعد طلبات توضيح لم يُرد عليها بحرف واحد چ .
الناس لا تقرأ الملفات التأديبية ولا تعرف تفاصيل الشكاوى والمخاطبات، الناس تقرأ المشهد كما صُنع أمامها:
رجل شُهر به وقيل عنه ما قيل، ونقابة التزمت الصمت التام، ثم عاقبت المعتدى عليه، ثم صمتت مرة أخرى.
والنتيجة الطبيعية في ذهن الجمهور أن العقوبة جاءت لتؤكد ما قيل عنه.
أخطر ما في القصة
ليس فقط أن ماجد القرعان عوقب، بل أن العقوبة غير المفسرة تحولت، بسبب صمت النقابة، إلى ما يشبه الختم غير المعلن على رواية التشهير التي سبقتها.
وهنا يجب أن تُسأل نقابة الصحفيين بوضوح:
هل قصدت النقابة ذلك؟ وإن لم تكن تقصده، فلماذا تركت هذا الأثر يحدث؟ ولماذا لم تصدر توضيحًا يحمي الحقيقة ويحمي كرامة عضوها؟ ولماذا لم تقل إن العقوبة، أيًا كان سببها، لا تعني صحة ما روجه حسين العموش بحق ماجد القرعان؟
ولماذا لم تُعامل شكوى التشهير بالجدية نفسها التي عاملت بها الشكاوى ضد ماجد القرعان؟
هذه الأسئلة لا يمكن دفنها تحت عنوان “إجراءات داخلية”. لأن سمعة الصحفي ليست شأنًا داخليًا. وكرامته ليست شأنًا إداريًا.
وحين يُمنع صحفي من مزاولة المهنة ثلاث سنوات، بعد حملة تشهير علنية، ثم لا تشرح النقابة السبب، فإنها لا تدير ملفًا تأديبيًا فقط، بل تشارك في تشكيل صورة عامة قد تدمر رجلًا مهنيًا واجتماعيًا.
سبب العقوبة الغير معلن
لقد عوقب ماجد القرعان على خلفية ملف يتعلق بتعليقات مسيئة نُشرت على صفحة عامة خلال ظرف إقليمي شديد الحساسية، وفي وقت كانت فيه منصات أردنية كثيرة تتعرض لتعليقات منظمة وذباب إلكتروني، خصوصًا خلال حرب إيران وإسرائيل. وقد تم حذف تلك التعليقات ورفضها، ومع ذلك جرى تحميل رئيس التحرير مسؤوليتها وكأنها موقفه الشخصي.
لكن حتى في هذه النقطة، لم تتصرف النقابة بشفافية كافية ولم توضح للناس حدود المسؤولية ولم تميز بين موقف المؤسسة وتعليقات مجهولة لم تشرح لماذا اختارت العقوبة الأشد أثرًا على السمعة والمهنة ولم تقل للرأي العام إن ماجد القرعان ليس هو من كتب تلك التعليقات، وليس هو من تبناها.
فلماذا هذا الغموض؟ ومن المستفيد من هذا الغموض؟ ومن المستفيد من أن يبقى ماجد القرعان في نظر البعض متهمًا بلا شرح، ومدانًا بلا رواية، ومعاقبًا بلا سبب معلن؟
وهنا لا يعود السؤال عن قرار تأديبي فقط، بل عن وظيفة النقابة نفسها.
هل النقابة بيت الصحفيين، أم أداة لإسكات من لا يملك نفوذًا كافيًا؟
هل النقابة تحمي العضو عندما يُشهر به، أم تقف متفرجة حتى تنضج رواية خصمه؟
هل النقابة تزن الشكاوى بميزان واحد، أم أن الميزان يشتد على طرف ويرتخي أمام طرف آخر؟
أما هيئة الإعلام، فقد كان لها دور لا يمكن تجاهله في مسار الضغط والتضييق. ووزارة الاتصال الحكومي لم تكن بعيدة عن المشهد. والجهات التي خوطبت لم تقدم جوابًا بحجم الضرر وكأن المطلوب أن يبتلع ماجد القرعان التشهير، ثم يبتلع العقوبة، ثم يبتلع الصمت، ثم يعتذر لأنه طالب بتوضيح.
هذه المرة لن تُبلع القصة بهذه السهولة
لأن ما حدث مع ماجد القرعان إذا مرّ بصمت، سيصبح نموذجًا جاهزًا ضد أي صحفي آخر
فاليوم ماجد القرعان وغدًا أي صحفي لا يملك ظهرًا سياسيًا وبعد غد أي مؤسسة إعلامية لا ترضى أن تتحول إلى تابع.
يا دولة الرئيس،
حين قال ماجد القرعان: “فنجل عيونك”، كان يتحدث عن البطانة، وعن مراكز النفوذ، وعن أشخاص يفسدون القرار من حول المسؤول الأول.
ونحن نقول اليوم فنجلوا عيونكم جميعًا
فنجلوا عيونكم على نقابة صمتت عندما شُهر بعضو من أعضائها.
فنجلوا عيونكم على عقوبة صدرت دون تفسير كافٍ للرأي العام.
فنجلوا عيونكم على تشهير سبق العقوبة ثم تُرك كأنه تمهيد لها.
فنجلوا عيونكم على خطورة أن يتحول الصمت النقابي إلى شريك في صناعة الإدانة المعنوية.
المطلوب اليوم ليس مجاملة لماجد القرعان بل جواب من النقابة قبل غيرها:
لماذا لم تتحركوا عندما وُصف ماجد القرعان بـ“السبعيني المبتز”؟
لماذا اعتبرتم التشهير به خلافًا بين أعضاء؟
لماذا استقبلتم الشكاوى ضده بجدية أكبر من شكاويه ؟
لماذا حولتموه إلى التأديب ولم تتعاملوا مع الطرف المعتدي بذات الندية؟
لماذا منعتموه من مزاولة المهنة ثلاث سنوات دون أن تشرحوا للرأي العام سبب العقوبة بوضوح؟
ولماذا تركتم الناس يربطون بين العقوبة وبين ما كان يروّجه حسين العموش عنه؟
وهناك جواب آخر مطلوب من دولة الرئيس:
هل وصلت إليك هذه القصة كاملة أم وصلت مشوهة؟
هل قيل لك إن صحفيًا أردنيًا يُسحق معنويًا تحت عنوان إجراء نقابي وبدعم من مسؤولين في مواقع اتخاذ القرار؟
هل علمت أن الصمت الرسمي والنقابي جعل الناس يظنون أن ما قاله الخصم هو الحقيقة؟
وهل تقبل أن يُستخدم صمت الدولة، أو صمت مؤسساتها، أو بطء ردها، كغطاء لمن يريد تصفية حساب مع صحفي ومؤسسة إعلامية؟
هذه ليست أسئلة عائلية وليست أسئلة شخصية هذه أسئلة تخص كل صحفي في الأردن والنقابة التي لا تحمي عضوًا من التشهير، ثم تعاقبه دون تفسير واضح، لا تضر العضو وحده، بل تضرب ثقة الصحفيين جميعًا بفكرة الحماية النقابية.
الصمت هنا لم يعد حيادًا بل أصبح موقفًا.
والغموض لم يعد إجراءً بل أصبح أداة لتكريس الرواية الأخطر.
إن حذف هذه الأسئلة أو تجاهلها، لن يلغيها. بل سيجعلها أكثر وضوحًا. لأن ماجد القرعان لم يطلب امتيازًا. بل طلب إنصافًا وطلب توضيحًا وطلب أن لا تتحول نقابته، بصمتها، إلى شاهد على تشويه سمعته.
من يظن أن العقوبة غير المفسرة ستنهي القصة، لا يعرف أن أخطر الأسئلة هي تلك التي تأتي بعد الصمت الطويل.
فنجلوا عيونكم جميعًا فالقضية لم تعد قضية ماجد القرعان وحده.
القضية أصبحت من يحمي الصحفي من التشهير إذا صمتت نقابته؟ ومن يحميه من أثر العقوبة إذا عاقبته نقابته دون أن تشرح للناس لماذا؟
هيهات ان وصلت الرسالة وهيهات أن يتم وضع حد لمن يسيئون استخدام السلطة فهؤلاء يفهمون الصمت من فوق على أنه موافقة؟

