صراحة نيوز – محرر الشؤون السياسية – لم تكن أزمة الإقليم يوماً في شحّ المعلومات، بل في فائض الدجل السياسي والإعلامي الذي يمارسه بعض “المحللين” وهم يجلسون في استديوهات مكيّفة بعيدة كل البعد عن ميدان الحقائق. يخرج علينا اللواء المتقاعد عبد الكريم خلف، متدثراً بألقاب وسجلات لم تسعفه يوماً في تسجيل نصر عسكري واحد، ليروج لسناريوهات هوليوودية تتحدث عن ضربات إيرانية للقوات الأمريكية في العقبة، ومستنداً إلى ادعاءات واهية بوجود “تنسيق وأردنيين يزودون طهران بالمعلومات”.
إن السقوط الأول لهذه الرواية يكمن في جهل مبادئ العلوم العسكرية الأولية. فمخيم “تتن” منشأة تدريبية لا تضم مدارج للطائرات ذات الإقلاع والهبوط التقليدي، ووجود منظومات دفاع جوي في مخيم تدريبي أمر يتعارض جهاراً مع أبسط قواعد إنشاء القواعد العملياتية والمدارس العسكرية حول العالم.
أما ادعاء اختراق المؤسسات الأردنية الحاسمة، فهو محض ترويج مكرر يراد به إثارة الشكوك والتلميح لثغرات لا وجود لها إلا في مخيلة من صاغ هذا التضليل. معرفة موقع عسكري عبر خرائط “جوجل” لا تجعل من صاحبه جندياً استخباراتياً، ولا تقدم سندا لربط المنشأة بطائرات أو منظومات لا وجود لها في الأصل.
إن غياب الرد الرسمي الأردني على هذه المهاترات ليس صمتاً يُكسب الادعاء مصداقية، بل هو ترفع مؤسسي واعي؛ إذ ليس مطلوباً من الدولة الأردنية إشغال أجهزتها بإصدار بيانات توضيحية كلما أطلق مدّعٍ هراءً عبر الشاشات. عبء الإثبات يقع كاملاً على من يطلق الاتهام، والثقة المفرطة أمام الكاميرات ليست سوى أسلوب استعراضي لا يستبدل غياب الدليل القاطع.
لقد تهاوت شعارات المشروع الإيراني، ودفع الشعب الإيراني ودول المنطقة ثمن هذه المغامرات، حتى أصبحت قضايا الأمة الأبرز -وفي مقدمتها غزة- خارج حسابات المفاوضات الإيرانية مع واشنطن. وفي خضم هذا الفشل، يعاد تدوير هذه البطولات الصوتية والأكاذيب المدفوعة الأجر لإرضاء الحليف الإيراني.
قد تمنحك خبرتك السابقة مساحة للحديث يا عبد الكريم خلف، لكنها لن تمنح كلامك حصانة من الفحص والتدقيق. ذهب الكاذبون ومروجو الوهم إلى مصيرهم عبر التاريخ، وبقي الأردن عصياً، ثابتاً، وقادراً على تعرية كل من يتباهى ببطولات غيره.

