صراحة نيوز- في الأيام الأخيرة امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من الاتهامات والتعليقات التي بالغ بعضها في تصوير ترؤس النائب ميادة شريم لجاهة عشائرية وكأنه حدث يتجاوز حدود العرف إلى مشروع سياسي أو محاولة لفرض أجندة غريبة عن مجتمعنا وبين التهليل والهجوم ضاعت أحيانًا القضية الأساسية هل كانت المبادرة بهدف الإصلاح أم بهدف استعراض الموقف
ولأنني أعرف سعادة ميادة شريم وأعتز بالعلاقة التي تجمعني بها فإن شهادتي فيها قد تكون مجروحة من الناحية الشخصية لكن ذلك لا يمنع أن أقول ما أراه بوضوح ولا أن أطرح موقفًا لا يقوم على التقديس ولا على التبرير المطلق
في حديث جمعني بها حول هذه الحادثة كان واضحًا بالنسبة لي أن قرارها لم يكن بحثًا عن صورة أو مخالفةً للعُرف لمجرد المخالفة بحسب ما أوضحته جاءت الخطوة بعد أن تعثرت محاولات سابقة للإصلاح وبعد أن عجز عدد من الشيوخ عن الوصول إلى حل ينهي الخلاف ثم جاءت مناشدة وإلحاح من ذوي الشباب المعنيين فاختارت أن تتقدم في محاولة لفتح بابٍ أُغلق أمامهم
وهنا يصبح السؤال أكثر إنصافًا: هل نحاسب من حاول فتح باب الحل، أم نسأل أولًا لماذا أُغلق الباب في وجه الحلول؟
لا أحد مطالب بأن يعتبر هذه الخطوة انقلابًا على الأعراف ولا بأن يتفق معها بالكامل فالأعراف العشائرية والاجتماعية منظومة متجذرة في المجتمع الأردني ولها حساسيتها ورموزها وأدوارها ومن الطبيعي أن يثار نقاش حول حدود الأدوار فيها خصوصًا عندما تكون المرأة في موقع اعتاد المجتمع أن يراه من خلال الرجال
لكن الاختلاف في تقييم الخطوة لا ينبغي أن يقودنا تلقائيًا إلى اتهام النوايا
الأخطر في هذه القضية هو القفز من سؤال: هل كان هذا الإجراء مناسبًا اجتماعيًا؟ إلى سؤال آخر أكثر خطورة: لمن ينفذ أجندة؟ وكأن كل امرأة تتقدم إلى مساحة لم يعتد الناس رؤيتها فيها لا بد أن تكون مدفوعة من الخارج، أو أن كل خروج عن النمط المألوف هو بالضرورة مشروع لنسف الهوية الاجتماعية
هذا المنطق ظلمٌ للمرأة قبل أن يكون ظلمًا لميادة شريم
أن تكون المرأة حاضرة في الحياة العامة وقادرة على التدخل في ملف اجتماعي معقد وأن تمتلك الجرأة على تحمل تبعات قرارها لا يعني بالضرورة أنها في مواجهة مع مجتمعها أو أعرافه بل قد يكون الأمر في بعض الحالات، تعبيرًا عن إيمانها بأن خدمة الناس لا تتوقف عند قالب اجتماعي واحد
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول أيضًا إن الشجاعة لا تعني العصمة من النقد من حق الأردنيين أن يناقشوا هذه التجربة ومن حقهم أن يسألوا هل كانت الطريقة الأنسب؟ وهل كان يمكن إيجاد صيغة أكثر انسجامًا مع الأعراف؟ وهل يمكن تعميم مثل هذه الخطوة مستقبلًا أم أن لكل حالة خصوصيتها؟
هذه أسئلة مشروعة بل صحية ما دامت تُطرح بعيدًا عن التخوين والتشهير واتهامات العمالة والأجندات الخارجية
أما ميادة شريم فمن الصعب اختزالها في واقعة واحدة من يعرفها عن قرب يعرف أنها امرأة صاحبة حضور وشخصية سياسية تمتلك الجرأة على الدخول في الملفات الصعبة وأنها ليست ممن ينتظرون دائمًا أن يتحرك الآخرون قبل أن تتحرك هي وهذه السمة قد يختلف الناس حولها لكن لا يمكن إنكار أنها جزء من شخصيتها العامة
والأردن اليوم بحاجة إلى هذه الجرأة لكنه بحاجة إليها مقرونة بالحكمة وإلى المبادرة دون استفزاز وإلى التجديد دون ازدراء للموروث وإلى الحفاظ على الأعراف دون تحويلها إلى قيود تمنع أي اجتهاد جديد
لكن المؤكد أن امرأة حاولت أن تنهي خلافًا يهدد مستقبل شباب بعد أن تعثرت محاولات الإصلاح لا ينبغي أن تتحول نيتها الإصلاحية إلى تهمة جاهزة
فلنختلف على الطريقة إن شئنا ولنسأل عن حدود العرف ودور المرأة ومساحات التدخل الاجتماعي لكن دون أن نُسقط على المشهد نوايا لا نملك عليها دليلًا
وفي النهاية قد تكون المسألة أبسط مما حاول البعض جعلها:
امرأة رأت بابًا مغلقًا وسمعت من يطلب فتحه فقررت أن تطرق الباب والتاريخ وحده هو من سيحكم إن كانت قد أحسنت الطرق أما نحن فعلينا على الأقل أن نحسن قراءة النوايا قبل إصدار الأحكام.
ميادة شريم تكسر العرف العشائري لتنفيذ أجندة غربية؟! حين تتحول المبادرة إلى تهمة

