صراحة نيوز- بقلم: اللواء م. حسان عناب
في موقفٍ إنساني يعكس عمق القيم التي تربّى عليها الأردنيون، تحدث عطوفة مدير دائرة المخابرات العامة، اللواء أحمد حسني حاتوقاي، أثناء تقديم واجب العزاء بأحد مكلفي خدمة العلم، رحمه الله، عن التكافل الأردني باعتباره ميزةً راسخة في مجتمعنا، وقيمةً أصيلة ترسخت في وجدان الأردنيين عبر مسيرة الوطن.
ولعل أهمية هذه الكلمات أنها قيلت في موقف عزاء؛ حيث تتجلى حقيقة المجتمعات بعيداً عن الشعارات، ففي لحظات الفقد والحزن يظهر معدن الناس، ويُختبر الوفاء، وتتجسد معاني الأخوة والانتماء.
فعندما يُصاب بيتٌ أردني بمصاب، لا يبقى أهله وحدهم؛ تمتد إليه أيادي الأهل والجيران والعشيرة والأصدقاء، ويجد صاحبه من يقف إلى جانبه ويشد من أزره. إنها منظومة قيم متوارثة، عنوانها النخوة والوفاء، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، واحترام الكبير، والوقوف مع الجار، ومساندة المحتاج، وحفظ كرامة الإنسان في ضعفه.
وهنا تتجلى إحدى أجمل صور العلاقة بين الدولة والمجتمع في الأردن؛ فحضور رئيس الديوان الملكي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وقادة الأجهزة الأمنية في بيوت العزاء، حاملين مشاعر القيادة ومواساتها، يتجاوز حدود الواجب الاجتماعي، ليحمل رسالة وطنية وإنسانية واضحة: أن المواطن ليس بعيداً عن دولته، وأن الدولة لا تترك أبناءها وحدهم في لحظات الشدة.
إن مشهد القادة وهم يجلسون بين الناس في بيوت العزاء، ويشاركونهم الحزن ويستمعون إليهم، يجسد معنى الدولة القريبة من مواطنيها، ويمنح مؤسساتها الصلبة بُعداً إنسانياً يزيدها هيبةً ومحبةً وثقة. كما يعكس تماسك العلاقة بين القيادة والشعب، ويؤكد أن مؤسسات الدولة ليست بعيدة عن المجتمع، بل جزء أصيل منه وحاضرة إلى جانبه في أفراحه وأحزانه.
وهذه القيم ليست طارئة على المجتمع الأردني، بل هي جزء أصيل من شخصيته. وقد جاءت القيادة الهاشمية الحكيمة، عبر مسيرة الدولة، لتؤكدها وترسخها وتمنحها إطاراً وطنياً أوسع، حتى أصبح التكافل والتراحم والتعاضد جزءاً من الصورة التي تميز الأردن وأهله.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة، وتتقدم فيه التكنولوجيا، وتتغير فيه أنماط التواصل والعلاقات، ليست مسؤوليتنا أن نختار بين الأصالة والحداثة، بل أن نجمع بينهما. نريد أردنياً يمتلك أدوات المستقبل من علمٍ وتكنولوجيا ومعرفة، وقادراً على المنافسة والابتكار، وفي الوقت ذاته محافظاً على نخوته ووفائه وتكافله وأصالته.
فالتقدم الحقيقي ليس أن نغيّر أدواتنا فقط، بل أن نطوّرها دون أن نفقد قيمنا، وأن نتقدم إلى المستقبل دون أن ننسى من نحن.
إن القوة الحقيقية للأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من اقتصاد ومؤسسات وتكنولوجيا، بل أيضاً بما تمتلكه من رصيد اجتماعي وأخلاقي يجعل أبناءها يقفون إلى جانب بعضهم بعضاً عندما تشتد المحن.
ومن هنا، فإن التكافل الأردني ليس موروثاً نحتفي به في المناسبات فحسب، بل هو قيمة وطنية وعنصر من عناصر الأمن المجتمعي والصمود الوطني؛ لأنه يعزز الثقة، ويقوي الروابط بين أبناء المجتمع، ويجعل مواجهة الأزمات مسؤولية مشتركة لا يواجهها الفرد وحده.
والأجمل أن هذا التكافل في الأردن يسير في اتجاهين متكاملين: مجتمع يتكافل مع أبنائه، ودولة تقف إلى جانب مجتمعها. وعندما تلتقي قيم المجتمع بحضور الدولة، تتعزز الثقة، ويصبح التماسك الاجتماعي قوةً حقيقية في مواجهة التحديات.
إن الأوطان التي تحافظ على قيمها، مهما تغير الزمن، تبقى بعون الله أكثر قدرة على مواجهة الأزمات بثبات؛ لأن تماسك المجتمع ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل أحد أهم مصادر قوة الدولة وصمودها.
*حفظ الله بلدنا، وقيادتنا الهاشمية، وأهلنا الطيبين، وجيشنا وأجهزتنا الأمنية، وأدام بين أبناء الأردن المحبة والتكافل والوفاء.*
فالأردن الذي يتقدم بعلمه، ويقوى بمؤسساته، ويعتز بأصالته، هو الأردن الذي يبقى متماسكاً وقادراً على عبور التحديات بثقة وثبات؛ لأن الوطن الذي لا يترك أبناءه وحدهم، يجد أبناءه دائماً في مقدمة الصفوف حين يحتاج إليهم الوطن.

