لماذا لم نحافظ على إرث الحسين؟

7 د للقراءة
7 د للقراءة
لماذا لم نحافظ على إرث الحسين؟

صراحة نيوز – بقلم د. عبد السلام المعلا
رئيس معهدي أميركا الشمالية التقني واللغوي

في إقليم لا تهدأ أزماته، انشغل جلالة الملك عبدالله الثاني على مدى سنوات بملفات ثقيلة تتصل بالسياسة الخارجية، وفلسطين والقدس، والأمن الوطني، والقوات المسلحة، وعلاقات الأردن الدولية، وحماية مصالح المملكة وسط حروب وتحولات إقليمية متلاحقة. وقد أظهر الأردن في هذه الملفات قدرة لافتة على حماية استقراره ومكانته، في وقت اهتزت فيه دول من حوله وتبدلت تحالفات وخرائط.

لكن للملك حكومة، والحكومة ليست جهازاً لتسيير الأعمال اليومية، بل هي صاحبة الولاية العامة، وعليها تقع مسؤولية إدارة الشأن الداخلي وتحويل الاستقرار السياسي والأمني إلى تعليم واقتصاد وصحة وتنمية وفرص وحياة أفضل للمواطن.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نطرحه بوضوح: هل كان أداء الحكومات المتعاقبة في بناء الداخل بمستوى ما تحقق في حماية الأردن ومصالحه في الخارج؟

ولعل التعليم هو الملف الأكثر حساسية للإجابة عن هذا السؤال، لأن خطأً اقتصادياً قد يمكن تصحيحه، ومشروعاً متعثراً يمكن إعادة هيكلته، أما الخطأ في التعليم فقد لا تظهر آثاره كاملة إلا بعد سنوات، وعندها يكون جيل كامل قد دفع الثمن.

وهنا أستحضر قصة رواها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبدالله النسور عن المغفور له الملك الحسين بن طلال. كان النسور حاضراً اجتماعاً لتطوير التعليم، وكانت لجنة تضم مسؤولين وأكاديميين وشخصيات عامة ونخب تعرض توصياتها أمام الملك. وعندما طُرحت توصية بأن يصبح التعليم الثانوي على نفقة الطالب، قال النسور بعفوية، وفق روايته، إنه لولا مجانية التعليم الثانوي لكان يعيش “وراء الغنم”.

سمع الحسين.

التفت إليه، ثم إلى اللجنة، وحسم الأمر باستمرار مجانية التعليم الثانوي.

قد تبدو القصة للوهلة الأولى موقفاً متعلقاً بمجانية التعليم، لكن معناها أعمق بكثير. فقد كان أمام الحسين الباني سؤال عن أي أردن نريد؟ هل تحدد قدرة الأسرة المالية سقف مستقبل ابنها، أم تفتح الدولة بالتعليم الطريق أمام الموهبة والاجتهاد أينما وُلدا؟

وكان عبدالله النسور نفسه نموذجاً حياً للجواب: شاب من بيئة بسيطة فتح له التعليم طريقاً مختلفاً، فأصبح لاحقاً وزيراً ورئيساً للوزراء.

تلك هي الدولة عندما تستخدم التعليم لتغيير مصير الإنسان، لا عندما تتعامل معه باعتباره ملفاً إدارياً تتوارثه الحكومات والوزراء.

وهذا هو إرث الحسين الذي أخشى أننا لم نحافظ على معناه كما ينبغي.

لا أقصد هنا في هذه المقالة أن نعود إلى مناهج الماضي، أو أن نرفض تحديث التعليم. فالعالم تغير، والاقتصاد تغير، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المعرفة والعمل بشكل ملفت للنظر. لكن التحديث شيء، وتحويل التعليم إلى مساحة تتغير فيها الاتجاهات بتغير الحكومات والوزراء شيء آخر.

لقد شاهد الأردنيون على مدى سنوات خططاً واستراتيجيات وتعديلات ولجاناً وتجارب متعددة. يأتي وزير برؤية، ثم يغادر، فيأتي آخر بأولويات مختلفة. تتغير المسارات والتعليمات والمفاهيم، بينما الطالب لا يستطيع تعليق عمره إلى أن تستقر السياسات.

فالوزير يغادر، أما الطالب فيبقى حاملاً متحاملاً نتيجة القرار.

وهنا ينبغي أن نكون أكثر جرأة في طرح مسألة اختيار من يتولى حقيبة التربية والتعليم. فليس كل أكاديمي، مهما علا تخصصه، تربوياً، وليس كل إداري أو طبيب قادراً على إدارة منظومة تبدأ من الصف الأول وتنتهي بإعداد شاب وشابة للحياة والجامعة وسوق العمل.

وزارة التربية ليست موقعاً يصلح للتجربة أو للتعلم أثناء ممارسة الوظيفة. إنها المؤسسة التي تمس مستقبل مئات الآلاف من الطلبة والمعلمين والأسر. ولذلك ينبغي أن تكون الخبرة العميقة في التعليم المدرسي والسياسات التربوية وإدارة النظم التعليمية وشؤون المعلم في صميم معايير اختيار من يقودها، لا تفصيلًا ثانوياً في سيرته الذاتية.

وهذا لا يتعلق بشخص أو حكومة بعينها، بل بمبدأ يجب أن يستقر في الدولة: كلما كان الملف أكثر تأثيراً في مستقبل الأجيال، وجب أن يكون معيار الكفاءة والخبرة فيه أكثر صرامة.

كما أن التعليم أكبر من الوزير نفسه. نحن بحاجة إلى رؤية دولة مستقرة للتعليم، تعيش أطول من عمر الحكومات، تحدد بوضوح نوع الإنسان الأردني الذي نريد إعداده، وما الذي يجب أن يعرفه ويستطيع فعله، وما القيم والمهارات التي يحتاج إليها، وكيف نضمن ألا تحدد مدينته أو قريته أو دخل أسرته مستوى الفرصة المتاحة أمامه.

ثم تأتي الحكومات لتنفيذ هذه الرؤية وتطوير أدواتها وقياس نتائجها، لا لإعادة اختراع فلسفة التعليم في كل مرة.

ولعل في قصة الحسين والنسور درساً آخر لا يقل أهمية. كانت أمام الملك لجنة تضم خبراء ومسؤولين، ومع ذلك لم تصبح توصيتها رؤية مقدسة لمجرد أنها صدرت عن لجنة. جملة إنسان واحد كشفت أثراً اجتماعياً ربما لم يظهر في الدراسات والأوراق.

وهذا ما نحتاج إليه اليوم: أن يبقى الإنسان الأردني حاضراً في غرفة القرار.

فخلف كل تعديل في التعليم شاب وشابة، وأسرة تنتظر، وسنوات من العمر، وحلم قد لا تتكرر فرصته.

ولهذا فإن عثرات الحكومات في التعليم ليست مجرد أخطاء إدارية عابرة. وحين يُسلَّم هذا الملف لمن لا يمتلك الخبرة التربوية الكافية، فإن كلفة الاختيار لا تظهر يوم تشكيل الحكومة، بل قد تظهر بعد سنوات في جيل كامل.

وهنا يصبح السؤال مؤلماً:

لو كان بين شبابنا اليوم عبدالله النسور القادم، أو عالم أو طبيب أو مبتكر أو قائد سيخدم الأردن بعد ثلاثين عاماً، فهل سنكتشف موهبة هذا الشاب أو تلك الشابة ونفتح أمامهما الطريق؟ أم سيتعثر مستقبلهما بين حكومات تتغير سياساتها، وقرارات تبدأ ثم تتراجع، وتجارب لم تُدرس بما يكفي، ووزراء قد يصل بعضهم إلى أخطر ملف في الدولة دون خبرة تربوية عميقة تؤهلهم لإدارة مستقبل جيل كامل؟

الشاب والشابة لا يملكان حكومة بديلة، ولا يستطيعان استعادة سنواتهما بعد رحيل الوزير. ولذلك فإن عثرات الحكومات في التعليم سنوات قد تُقتطع من مستقبل أجيال.

لقد أثبت الأردن أنه قادر على حماية حدوده واستقراره ومكانته في واحد من أكثر أقاليم العالم اضطراباً. وما نحتاج إليه الآن هو أن يكون بناء الداخل بمستوى حماية الخارج.

وربما هنا تحديداً يكمن إرث الحسين الذي يستحق أن نحافظ عليه: أن التعليم يستطيع أن يغيّر مصير الإنسان، وأن واجب الدولة أن تفتح الطريق أمامه لا أن تجعل ضعف الإدارة أو سوء الاختيار يقرر ذلك المصير.

فالدولة التي تريد الحفاظ على إرث الحسين لا يكفي أن تضمن مقعداً لكل شاب وشابة، عليها أن تضمن أيضاً أن من يقرر مستقبلهما مؤهل فعلاً لحمل هذه الأمانة.

شارك هذا المقال