صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي
ليس أجمل في العلاقة بين الدولة ومواطنيها من أن تبقى أبوابها مفتوحة، وأن يشعر الأردني بأن صوته قادر على الوصول، وأن همومه وتطلعاته ليست بعيدة عن مؤسسات القرار، وأن التواصل مع الناس ليس مناسبة بروتوكولية عابرة، بل جزء من فلسفة الحكم ومنهج راسخ في الدولة الأردنية.
من هنا، فإن اللقاء الذي جمع رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف حسن العيسوي بنحو 1400 شخصية من هيئة الكرامة والوفاء الشبابية يمثل أكثر من مجرد اجتماع واسع في مضارب بني هاشم. إنه صورة لذلك الأردن الذي أراده جلالة الملك عبدالله الثاني: دولة تستمع إلى أبنائها، وتفتح أمامهم المجال للتعبير والمشاركة، وتبني علاقتها معهم على الثقة والمسؤولية والشراكة.
وحين يؤكد العيسوي أن توجيهات جلالة الملك تضع المواطن والمصلحة الوطنية في صدارة الأولويات، فإن هذه العبارة تختصر جوهر الرؤية الملكية التي ترى أن الإنسان الأردني ليس رقمًا في الخطط الاقتصادية ولا متلقيًا سلبيًا للقرارات، بل هو أساس التنمية وغايتها الأولى.
وهذه ليست عبارة إنشائية.
فالحديث عن التحديث السياسي والاقتصادي والإداري لا يكتسب معناه الحقيقي إذا بقي حبيس الوثائق والخطط والاجتماعات الرسمية. نجاح أي مشروع وطني يبدأ عندما يشعر المواطن بأنه شريك فيه، وأن صوته مسموع، وأن مؤسسات الدولة قادرة على الوصول إليه كما يستطيع هو الوصول إليها.
ولهذا فإن استمرار هذه اللقاءات وتوسيع دائرتها يستحق الدعم والتشجيع.
الأردن، بحكم تاريخه وتركيبته السياسية والاجتماعية، لم يكن يومًا دولة تقوم العلاقة فيها بين القيادة والشعب على الحواجز. العلاقة الهاشمية مع الأردنيين قامت تاريخيًا على القرب، وعلى اللقاء المباشر، وعلى معرفة الناس واحتياجاتهم وتطلعاتهم.
وجلالة الملك عبدالله الثاني حافظ على هذا النهج ووسعه، سواء من خلال جولاته في المحافظات، أو لقاءاته مع مختلف القطاعات والفئات، أو متابعته للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وهو نهج يقوم على أن الدولة لا تُدار من المكاتب فقط، بل من خلال معرفة نبض الناس أيضًا.
أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فقد أضاف إلى هذه العلاقة بعدًا واضحًا يتصل بالجيل الشاب، بلغة أقرب إلى طموحاته وأدواته ومستقبله.
فشباب اليوم لا يريدون الاكتفاء بسماع الحديث عن المستقبل، بل يريدون أن يكونوا جزءًا من صناعته.
ولهذا تحتل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والريادة والتعليم الحديث والتدريب وتمكين الشباب مساحة متقدمة في اهتمامات سمو ولي العهد؛ لأن التحدي المقبل أمام الأردن ليس تحدي موارد فقط، بل تحدي معرفة وكفاءة وقدرة على المنافسة في عالم يتغير بسرعة.
وما طرحه المشاركون في اللقاء حول الجامعات والعمل التطوعي والذكاء الاصطناعي واللغات وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة والرياضيين، يعكس أن المجتمع الأردني نفسه بدأ يتحدث بلغة المستقبل، وهذه علامة إيجابية ينبغي البناء عليها.
غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه اللقاءات لا تقاس بعدد الحضور وحده، ولا بتنوع الأسماء والقطاعات الممثلة، بل بما يحدث بعد انتهاء اللقاء.
هل تنتقل المطالب إلى الجهات المعنية؟
هل تتحول الأفكار الجيدة إلى مبادرات؟
هل يجد صاحب الحاجة من يتابع قضيته؟
وهل يشعر المواطن بعد اللقاء أن صوته لم يُسمع فقط، بل جرى التعامل معه بجدية؟
هنا تحديدًا تتحدد القيمة الفعلية لهذا النهج.
وهنا أيضًا تبرز أهمية الدور الذي يؤديه الديوان الملكي، فعندما يبقى مساحة تستقبل الأردنيين، وتستمع إلى قضاياهم، وتنقلها إلى مؤسسات الدولة وتتابعها، فإنه يؤدي وظيفة وطنية تتجاوز الجانب الإداري وتحافظ على واحدة من أهم خصائص الدولة الأردنية: قرب القيادة من الناس.
لكن المطلوب أن تبقى هذه الدائرة مفتوحة أمام الجميع؛ لا أمام الشخصيات العامة والنخب والهيئات وحدها، بل أمام المواطن العادي، وصاحب الفكرة، وصاحب الحاجة، والشاب الذي يحمل مبادرة، والمرأة التي تبحث عن فرصة، وأبناء الأطراف والمحافظات الذين يريدون أن يشعروا بأن المسافة بينهم وبين الدولة ليست بعيدة.
وفي زمن تتسع فيه الفجوة بين الشعوب والمؤسسات في كثير من دول العالم، تصبح المحافظة على هذا النموذج الأردني ضرورة سياسية ووطنية، لا مجرد تقليد اجتماعي.
فالأردن يعيش وسط إقليم مضطرب، وتحيط به أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة، ولذلك فإن منعة الدولة لا تقوم على المؤسسات الأمنية والاقتصادية وحدها، رغم أهميتها، بل تقوم أيضًا على مقدار الثقة بين المواطن والدولة.
فالدولة تكون أقوى عندما يشعر المواطن بأنه شريك فيها، وأن أمنها من أمنه، ونجاحها من نجاحه، وأنها تنظر إليه باعتباره جزءًا من الحل لا مجرد متلقٍ للخدمات.
ولهذا كان مهمًا أن يجمع اللقاء بين الحديث عن الاقتصاد والتحديث وفرص العمل، وبين أمن الأردن، ودور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والقضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات، ومواقف الدولة تجاه أزمات المنطقة.
هذه ليست ملفات منفصلة.
إنها جميعًا أجزاء من مفهوم واحد اسمه الدولة الأردنية.
دولة تحمي حدودها، وتحافظ على قرارها الوطني، وتدافع عن فلسطين والقدس، وفي الوقت ذاته تبحث عن الاستثمار وفرص العمل، وتدرب شبابها، وتطور جامعاتها، وتمكّن المرأة، وتحاول أن تدخل المستقبل بأدوات العصر.
ومن هنا فإن اللقاء الذي شهده الديوان الملكي يستحق أن يُنظر إليه باعتباره نموذجًا ينبغي أن يستمر ويتوسع.
نريد مزيدًا من هذه اللقاءات.
ونريد أن يصل هذا الحوار أكثر إلى المحافظات والجامعات والقرى والبوادي والمخيمات، وأن يجلس المسؤول أمام المواطن لا ليحدثه فقط، بل ليستمع إليه أيضًا.
فأقوى ما في الأردن لم يكن يومًا كثرة موارده ولا اتساع مساحته، وإنما تلك العلاقة الخاصة التي جمعت قيادته بشعبه، وحولت الثقة بينهما إلى أحد أهم عناصر قوة الدولة واستقرارها.
وإذا كانت رؤية جلالة الملك تقوم على أن المواطن هو محور التنمية، وكانت رؤية سمو ولي العهد تراهن على الشباب بوصفهم صناع المستقبل، فإن الطريق إلى إنجاح الرؤيتين يبدأ من هنا:
أن يبقى الأردن دولة يسمع فيها المسؤول المواطن، ويشعر فيها المواطن أن صوته لا يصل فقط، بل يجد من يتابعه ويحوله، حيثما أمكن، إلى فعل وإنجاز.
وهذا هو الأردن الذي نعرفه… وهذا هو الأردن الذي نريد أن يبقى.

