الوطن يا جميلة العينين.. خبأته في كراريس الحب ووجدته على سواعد الجنود
صراحة نيوز – كتب: احمد ايهاب سلامة
إلى الذين يوزعون علينا صكوك الوطنية وإلى أولئك الذين يسمون أنفسهم، مجازا “نخبا سياسية” في زمن انحسر فيه معنى النخبة حتى لم يبق منها إلا من رحم ربي..
كفاكم استهتارا بهذا الوطن وكفاكم أن تنشدوا له صباح مساء، فيما لا ترون منه إلا كرسيا تصعدون إليه، أو منصبا تتكئون عليه ومكسبا تقتسمونه هنا وهناك.
وإلى بعض مسؤولي الدولة الذين تنكبوا ما أراده جلالة سيدنا المفدى وعاثوا في الأرض فسادا وإفسادا..
أي ضمير هذا الذي أقنعكم أن الكرسي أثمن من الوطن
وأي وطنية هذه التي تتغنى بالأردن على المنابر ثم تذبحه في دهاليز القرار؟
الوطن ليس صورا تلتقطونها ولا شعارات ترفعونها ولا خطبا تتسابقون على إلقائها.. الوطن أثمن من أن يكون غنيمة بين أيدي العابرين إلى المناصب.
وتسأليني يا رفيقة العمر: ما الوطن؟
الوطن حارس على الحدود يسهر الليالي فيما تنام العيون، يضع روحه على كفه كي تبقى أرضنا آمنة وسماءنا عصية.
الوطن منقوش على سواعد رجال الأمن وعلى جباه رجال خدموه حتى شاب الشعر وضحوا لأجله ثم مضوا دون أن ينتظروا تحية أو سلاما.
الوطن حراث ربداوي ورمثاوي شق الأرض بمحراثه وسقاها من عرقه.
الوطن كركي يحرس قلعة الكرك برمش عينه.. الوطن طفيلة وما أدراك ما الطفيلة، رجال إذا هب الوطن قالوا: حاضرون
الوطن معان الأشاوس أولئك الذين بنوا هذا البلد بعرقهم ولم يسألوا يوما ماذا سيعطينا الأردن انما ماذا نستطيع أن نعطيه.
الوطن مخيماته وقراه ومدنه..
الوطن أولئك البسطاء الذين لا يملكون من الدنيا إلا شرف الانتماء ومع ذلك لو ناداهم الأردن لبذلوا أرواحهم قبل أموالهم.
الوطن يا جميلة العينين..
أولئك الذين خدموه بشيب رؤوسهم وأكل العرق جباههم وعاشوا عمرهم على خبزه وترابه.
هؤلاء أولى بالوطن من أولئك الذين عادوا بشهادات من كاليفورنيا وهارفرد، دخلوا إليه بالدينار وخرجوا منه بقناطير الدنانير ثم وقفوا علينا يلقنوننا دروس الوطنية!
هيهات.. هيهات!
أن يبلغوا نعال انتماء أصغر حذاء لطفل أردني لم يعرف من الوطن إلا ترابه ولم يرث منه إلا اسمه ورايته وذاكرته.
أتريدين أن تعرفي الأردن يا جميلة الجميلات؟
الأردن منقوش على سواعد الجنود الساهرين على الحدود، المتكئين على فوهات بنادقهم، المسيجين ثرى الوطن بأهداب الروح
الأردن ليس كرسيا
ولا حقيبة وزارية
ولا منصبا عابرا
ولا سلما يصعد عليه المتسلقون ثم يرمونه خلف ظهورهم
الأردن وطن يفتدى.. لا غنيمة تقتسم
وتسأليني: لماذا أحببت الوطن؟
لأني شممت دحنونه من ضفائر شعرك وتنفسـت حقوله وبساتينه وتنشقت رائحة بواكير أمطاره حين تعانق أولى زخات الشتاء تراب الأرض.
الوطن يا جميلة العينين..
خبأته ذات زمن في كراريس الحب والمراهقة وهربته في رسائل عشق إلى حبيبتي خوفا من الواشين ونظمته حروفا في قصيدة تغزلت فيها بعيون حبيبتي التي دوخت الأرض.. ودوختني
هكذا عرفت الوطن..
لم أعرفه في قصور أصحاب المناصب ولا في موائد المتخمين ولا في أناشيد المتاجرين بالوطنية
عرفته في وجه أبي وفي تعب أمي وفي عرق الفلاح وفي بندقية الجندي وفي يد العامل وفي عيون طفل يركض خلف العلم
عرفته في المطر حين يطرق أبوابنا وفي رائحة التراب حين يبتل وفي دحنون أحمر يخرج من بين الصخور كأنه يقول لنا: هنا الأردن.
الوطن يا جميلة العينين.. ليس ما يقولونه عنه
الوطن ما نشعر به حين لا يرانا أحد وما نبذله حين لا يصفق لنا أحد وما نحمله في صدورنا حين تضيق بنا الدنيا كلها.
الوطن أن تبقى واقفا له..
حتى حين يسقط من حوله المتسلقون.

