صراحة نيوز – خاص – حذر الخبير التربوي الدكتور مفضي المومني من استمرار الفجوة بين نسب النجاح المرتفعة ومستوى التحصيل العلمي الحقيقي لدى الطلبة مؤكدا أن الحديث عن ضعف التعليم ونتاجاته لم يعد أمرا خفيا، وأن المنظومة التعليمية بحاجة إلى تطوير وتحسين حقيقيين.
وقال المومني في تصريح خاص لـ” صراحة نيوز” إن أرقام النجاح وحدها لا تكفي للحكم على جودة التعليم موضحا أن رفع نسب النجاح لا يعني بالضرورة رفع مستوى التعلم، وقد تكون بعض معدلات النجاح مبالغ فيها ولا تعكس نتاج التعلم الحقيقي لدى الطلبة.
وأضاف أن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يحمل الطالب شهادة، لكنه يفتقد المعرفة والمهارات التي يفترض أن تعكسها هذه الشهادة، مشددا على ضرورة الانتقال من قياس قدرة الطالب على اجتياز الامتحان إلى قياس الفهم والتفكير والتحليل والتطبيق.
وأشار إلى أن ارتفاع نسب النجاح مع ضعف المخرجات لا يمثل إنجازا تعليميا، بل قد يكون تأجيلا للمشكلة مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي يتمثل في جعل النجاح انعكاسا للتعلم الحقيقي وليس بديلا عنه.
وفيما يتعلق بالتعليم الجامعي، أكد المومني أن الجامعات لا تعمل دائما وفق بوصلة حاجات سوق العمل، وأن عددا من التخصصات ما زال يستحدث أو يستمر رغم محدودية الطلب عليها، فيما توصف تخصصات أخرى بأنها مشبعة أو راكدة من حيث فرص التشغيل والتوظيف.
وبين أن المشكلة لا تكمن في أعداد الخريجين وحدها، وإنما في الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه الاقتصاد وسوق العمل فعليا، إضافة إلى مدى امتلاك الخريج للمهارات والمعارف والاتجاهات التي يتطلبها سوق العمل.
ودعا إلى الانتقال من منطق “ماذا يريد الطالب أن يدرس؟” إلى منظومة تحقق التوازن بين رغبة الطالب وحاجة المجتمع وسوق العمل الحالية والمستقبلية، مع التوسع في التخصصات التطبيقية والتقنية والمهارات الرقمية والمهن الجديدة وتعليق أو وقف التخصصات التقليدية المشبعة التي لم تعد مطلوبة في سوق العمل.
وأكد أن القضية لا ينبغي أن تختزل في زيادة أعداد الخريجين، بل في نوعية التعليم وجودة مخرجاته محذرا من استمرار إنتاج الشهادات بمعدلات تفوق قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل والكفاءات المطلوبة.
وعن واقع المعلم، شدد المومني على أن مطالبة المعلم بتقديم تعليم نوعي ومتطور يجب أن تترافق مع إعداده وتدريبه وتوفير الحوافز المادية والمعنوية له مشيرا إلى أنه لا يجوز لأي نظام تعليمي محاسبة المعلم على نتائج لم يوفر له شروط إنتاجها.
وقال إن المعلم يمثل حجر الأساس في العملية التعليمية وإن تحسين التعليم يبدأ من تحسين مكانته المهنية والمادية وظروف عمله، لافتا إلى أن المعلم المرهق والمثقل بالمهام والصفوف والضغوط يحتاج إلى الدعم والتأهيل والحوافز، لا إلى مزيد من اللوم والمحاسبة وتجاهل متطلباته الحياتية.
وأكد أن على المعلم مسؤولية في العملية التعليمية، إلا أن مسؤولية الدولة والنظام التعليمي أكبر في توفير البيئة التي تمكنه من النجاح، مشددا على أنه لا يمكن بناء تعليم نوعي بمعلم يشعر بأن مهنته لا تحظى بما تستحقه من احترام وتقدير.
وفي ملف الامتحانات والقبول الجامعي، رأى أن الامتحان الموحد، سواء كان توجيهيا أو عاما، قد يكون أداة عادلة للقياس إذا صمم بعناية، لكنه يصبح خطرا عندما يتحول إلى اختزال لمسيرة الطالب التعليمية بأكملها.
وأشار إلى أن امتحانات القبول الجامعي المعمول بها في العديد من دول العالم قد تكون أكثر عدالة في بعض جوانبها، كونها تركز على الكفاءات والقدرات والميول والاتجاهات لدى الطالب وهي جوانب تفتقدها غالبا الامتحانات العامة ذات الطابع التحصيلي.
وشدد على أن الطالب ليس رقما في امتحان ولا يجوز قياس سنوات دراسته كلها بفترة امتحانية واحدة داعيا إلى أن يستند القبول الجامعي إلى منظومة قياس متوازنة تعكس التحصيل والمهارات والميول والاستعدادات اللازمة للتخصص.
وحذر من أن يتحول التعليم المدرسي إلى مجرد تدريب على امتحان القبول، فتتراجع التربية والمعرفة لصالح العلامة، على حساب القدرات الفعلية للطلبة.
وختم بالتأكيد على أن المطلوب هو امتحان يقيس ما تعلمه الطالب وليس بناء نظام تعليمي كامل من أجل الامتحان، ثم استخدام نتائجه لاحقا كأداة للقبول الجامعي، على حساب رسوخ التعليم بما يتضمنه من معارف ومهارات واتجاهات.

