الدعجة: وسائل التواصل أصبحت ميدانا أمنيا حقيقيا وليست مجرد فضاء افتراضي
الدعجة: الجماعات المتطرفة تنقل الشباب من التعاطف إلى التجنيد عبر الهاتف
الدعجة: المخدرات لم تعد قضية جنائية.. بل تهديد مباشر للأمن الوطني
الدعجة: الهاتف المحمول أصبح وسيلة للوصول إلى العقل قبل الوصول إلى الأرض
الدعجة: البطالة والتهميش قد يوفران بيئة قابلة للاستغلال من الجريمة والتطرف
صراحة نيوز – احمد ايهاب سلامة – حذر الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة من تنامي التهديدات الأمنية المركبة خلال المرحلة المقبلة، مؤكدا أن الخطر لم يعد مرتبطا بجريمة منفردة وإنما ببيئة قد تتقاطع فيها المخدرات والجريمة المنظمة والإرهاب والتطرف والتجنيد الإلكتروني والخلايا النائمة.
وقال الدعجة في تصريح خاص لـ” صراحة نيوز “إن أكثر ما يقلقه هو تداخل هذه المخاطر في وقت واحد مشيرا إلى أن هذا النوع من التهديدات أكثر تعقيدا وصعوبة في الاكتشاف المبكر من الجريمة التقليدية.
وأوضح أن خطر الخلايا النائمة والتجنيد الإلكتروني يستحق اهتماما خاصا، في ظل قدرة التنظيمات المتطرفة على استقطاب الأفراد عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي وبناء علاقة تدريجية مع الشخص المستهدف واستغلال مشكلاته أو إحباطه أو شعوره بالتهميش وصولا إلى نقله من التعاطف الفكري إلى القناعة ثم الاستعداد للتنفيذ.
وأشار إلى أن خطورة الخلايا النائمة تكمن في إمكانية عدم ظهور مؤشرات واضحة عليها لفترات طويلة، ما يجعل الرصد الاستخباري الوقائي أكثر أهمية من التعامل مع الخطر بعد وقوعه.
وأكد أن مواجهة الإرهاب في مفهومها الحديث لا تبدأ عند تنفيذ العملية وإنما من اكتشاف مؤشرات التطرف والاستقطاب والتواصل المشبوه قبل تحولها إلى فعل.
وأضاف أن التجنيد الإلكتروني يمثل تحولا مهما في طبيعة التهديدات الأمنية، بعدما أصبحت الحدود الجغرافية أقل قدرة على عرقلة عمليات الاستقطاب ونشر الأفكار المتطرفة، لافتا إلى أن الهاتف المحمول أصبح في بعض الحالات وسيلة للوصول إلى عقل الإنسان قبل الوصول إلى الأرض.
ورأى الدعجة أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تشكل بيئة تتداخل فيها عناصر التطرف الفكري والتجنيد الإلكتروني والخلايا النائمة والجريمة المنظمة والمخدرات، معتبرا أن اجتماع هذه العناصر يمكن أن ينتج تهديدا مركبا يستهدف الفرد والأسرة والمجتمع والدولة في آن واحد.
وشدد على أن الأمن الوقائي يجب أن يركز على اكتشاف المؤشرات المبكرة وتحليل أنماط الاستقطاب والتجنيد وتعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية، مؤكدا أن “أخطر تهديد أمني هو ذلك الذي لا نراه إلا بعد أن يتحول إلى واقع”.
وفي ملف المخدرات، أكد أن الظاهرة أصبحت تهديدا للأمن الوطني بامتياز ولم تعد مجرد قضية جنائية تتعلق بمتعاط أو مروج أو تاجر، موضحا أن طبيعة الظاهرة تغيرت وأصبحت في بعض جوانبها مرتبطة بشبكات تهريب منظمة وعابرة للحدود تمتلك المال والوسائل والقدرة على التخفي والتكيف.
وأشار إلى أن إدارة مكافحة المخدرات تعاملت خلال عام 2025 مع 22,031 قضية مخدرات، مبينا أن انخفاض عدد القضايا بنسبة 13% مقارنة بعام 2024 لا يلغي حجم التحدي الأمني والمجتمعي الذي تمثله الظاهرة.
وقال إن الخطورة لا تكمن فقط في كميات المخدرات التي تدخل المملكة أو يتم ضبطها، وإنما في الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب والتوزيع، مشيرا إلى أن ارتباط المخدرات بالتهريب المنظم والتمويل غير المشروع والسلاح والجريمة العابرة للحدود يحولها إلى قضية تمس الأمن الوطني بصورة مباشرة.
وأضاف أن المخدرات تستهدف أحد أهم عناصر القوة الوطنية وهو الإنسان لما تتركه من آثار على الشباب والأسرة والتعليم والعمل والصحة والاستقرار الاجتماعي، فضلا عن إمكانية تحولها إلى مدخل لأنماط أخرى من الجريمة والعنف والانحراف.
وأكد أن مواجهة المخدرات لا ينبغي أن تقتصر على ضبط المواد المخدرة والقبض على المتورطين بل يجب أن تشمل تفكيك الشبكات وتجفيف مصادر التمويل وضرب قنوات التوزيع، إلى جانب الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.
ولفت إلى أن نجاح الدولة في مواجهة المخدرات لا يقاس فقط بعدد القضايا والمضبوطات، وإنما بقدرتها على منع وصول المخدرات إلى الشباب وتجفيف السوق وتفكيك الشبكات وحماية الأسرة والمجتمع من آثار هذه الآفة.
وقال إن المعركة مع المخدرات في جوهرها ليست معركة ضد مادة مخدرة فقط وإنما معركة على الإنسان الأردني وأمن المجتمع واستقراره ومستقبل الأجيال القادمة.
البطالة والتهميش.. عوامل قابلة للاستغلال
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الظروف الاقتصادية والاجتماعية وبعض أشكال الجريمة، أكد الدعجة وجود ارتباط بين هذه الظروف وبعض أنماط الجريمة، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة عدم اختزال الجريمة في الفقر أو البطالة.
وقال إن الفقر لا يعني الجريمة، كما أن البطالة لا تحول الإنسان تلقائيا إلى مجرم، مشيرا إلى وجود أعداد كبيرة من الفقراء والعاطلين عن العمل يحافظون على القانون والقيم الاجتماعية.
وأوضح أن الخطورة تظهر عندما تتراكم مجموعة من العوامل في البيئة نفسها مثل البطالة الطويلة والفراغ وضعف الأمل بالمستقبل والتهميش الاجتماعي والتفكك الأسري ورفاق السوء والمخدرات وضعف الاندماج في المجتمع.
وبين أن هذه الظروف قد تتحول إلى بيئة قابلة للاستغلال من قبل شبكات الجريمة المنظمة أو الجماعات المتطرفة، التي قد تستغل الحاجة والفراغ والإحباط والشعور بالتهميش خصوصا لدى بعض الشباب الذين يشعرون بأنهم خارج دائرة الفرص والتأثير.
وأشار إلى أن الأردن يواجه تحديا في سوق العمل، لافتا إلى أن معدل البطالة بلغ 16.1% في الربع الثاني من عام 2026 وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، لكنه أكد أن القراءة الأمنية لا ينبغي أن تتوقف عند الرقم العام، بل يجب أن تشمل بطالة الشباب وطول فترة التعطل ونوعية فرص العمل ومدى شعور الشباب بوجود مستقبل واضح أمامهم.
وأكد أن معالجة البطالة والتهميش ليست قضية اقتصادية فقط، انما يمكن أن تكون جزءا من الأمن الوقائي، من خلال توفير فرص العمل وتعزيز الاندماج الاجتماعي وتقوية شعور الشباب بالمستقبل، بما يقلل المساحات التي يمكن أن تستغلها الجريمة أو التطرف.
وشدد في المقابل على أن تفسير الجريمة من خلال الفقر والبطالة وحدهما غير دقيق، موضحا أن هناك عوامل أسرية ونفسية وثقافية وسلوكية وقانونية وأمنية، وأن الجريمة في النهاية نتاج تفاعل مجموعة من العوامل وليس نتيجة عامل واحد.
وسائل التواصل.. عندما تسبق الشائعة الحقيقة
وفي سياق متصل، حذر الدعجة من تنامي المخاطر الأمنية المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنها أصبحت جزءا أساسيا من البيئة الأمنية الحديثة ولم تعد مجرد وسيلة للتواصل والترفيه.
وأوضح أن منصات التواصل قادرة على نقل المعلومة والشائعة والخبر الكاذب والتحريض خلال دقائق، كما تستطيع التأثير في الرأي العام وتشكيل الاتجاهات الاجتماعية.
وأشار إلى أن الخطورة لا تكمن في الأخبار الكاذبة وحدها، وإنما في سرعة انتشارها قبل التحقق منها، إذ يمكن أن تصل المعلومة إلى مئات الآلاف خلال فترة قصيرة، في حين تحتاج المؤسسات المعنية إلى وقت للتحقق من صحتها، ما يجعل سرعة الاتصال الرسمي جزءا مهما من إدارة الأزمات.
وحذر من خطورة خطاب الكراهية والتحريض، موضحا أنه قد يحول الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع إلى حالة من الاستقطاب والعداء وقد يبدأ الأمر بمنشور أو تعليق ثم ينتقل إلى سلوك اجتماعي أكثر خطورة.
كما لفت إلى إمكانية استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الفكر المتطرف، من خلال الوصول إلى الشباب وتقديم الأفكار بصورة تدريجية، ثم الانتقال من نشر الأفكار إلى الاستقطاب والتجنيد الإلكتروني.
وأوضح أن الخطر لا يتعلق فقط بالمحتوى المتطرف وإنما بعملية تغيير تدريجي في طريقة تفكير الفرد، قد تبدأ بالتشكيك والعزل الفكري، ثم صناعة العداء تجاه المجتمع وتبرير العنف، مؤكدا أن الرصد المبكر والتوعية الفكرية والرقمية أصبحا جزءا من منظومة الأمن الوقائي.
وأشار إلى أن مديرية الأمن العام تحدثت عن ارتفاع قضايا الجرائم الإلكترونية بنحو ستة أضعاف منذ عام 2015، معتبرا ذلك مؤشرا على أن الفضاء الإلكتروني أصبح ميدانا أمنيا حقيقيا وليس مجرد فضاء افتراضي.
وختم الدعجة بالتأكيد على أن التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي يحتاج إلى توازن دقيق، يحمي المجتمع من الشائعات والتحريض والتطرف والجريمة الإلكترونية ويحافظ في الوقت ذاته على الاستخدام المشروع والطبيعي لهذه المنصات.
وأكد أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تسبق الشائعة الحقيقة، لأن المواطنون قد يتصرفون بناء على معلومة غير صحيحة وكأنها حقيقة وعندها تتحول المعلومة المضللة من مشكلة إعلامية إلى مشكلة أمنية حقيقية مشددا على أن إدارة المعلومة وحماية الوعي المجتمعي أصبحتا جزءا أساسيا من حماية الأمن الوطني.

