العثمان: لا يجوز استخدام الدين لتبرير الفقر أو إهدار كرامة الإنسان
العثمان: لا يجوز استخدام الدين لتبرير الفقر أو الإضرار بالمدين المعسر
صراحة نيوز – خاص – أكد أستاذ الشريعة الدكتور محمود لافي العثمان أن الشريعة الإسلامية لا تمنح الدائن حقا مطلقا في الإضرار بالمدين أو بأسرته من أجل تحصيل الدين مشددا على أن مقاصد الشريعة تقوم على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض وأن هذه المقاصد لا يجوز التعامل معها بصورة منفصلة أو على حساب بعضها البعض.
وقال العثمان في تصريح خاص لـ “صراحة نيوز” إن الشريعة أقرت حفظ المال وصيانة حقوق الدائنين، لكنها في الوقت ذاته راعت حفظ النفس وكرامة الإنسان، موضحا أن تحصيل الحق المالي إذا ترتب عليه تشريد أسرة المدين أو حرمان أطفاله من التعليم أو الغذاء أو من أساسيات الحياة، فلا يجوز أن يكون وسيلة للإضرار به.
وأضاف أن الغارم المعسر، وهو الإنسان العاجز حقيقة عن سداد دينه، لا ينبغي أن يعاقب بسبب عجزه، مشيرا إلى أن من مقاصد الشريعة إمهال المعسر، وأن للدولة في إطار مسؤوليتها الاجتماعية أن تعينه على السداد قدر المستطاع.
وتساءل العثمان عن الجدوى من حبس المدين العاجز عن السداد، قائلا إن الدائن لن يستفيد من حبس شخص لا يملك ما يوفي به دينه، مؤكدا أن الشريعة جاءت لتحفظ المال وحقوق الناس، وفي الوقت نفسه لتحافظ على كرامة الإنسان وحريته.
وأشار إلى أن بعض الشرائع والعادات القديمة كانت تجعل الإنسان العاجز عن سداد دينه عرضة للاسترقاق، مبينا أن الشريعة الإسلامية جاءت لتضع حدا لمثل هذه الممارسات وتحفظ للإنسان كرامته، دون أن تهدر في المقابل حقوق الدائنين.
وفي المقابل، شدد العثمان على أن المماطلة في سداد الدين من القادر على الوفاء به تعد ظلما، مستشهدا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم، موضحا أن من يملك المال ثم يماطل في أداء ما عليه من حقوق يعتدي على حق غيره.
وفرق بين المدين المعسر الذي لا يستطيع السداد والمدين المقتدر الذي يملك المال أو الأصول ثم يمتنع عن الوفاء، مؤكدا أن الشريعة جاءت بإمهال المعسر والحث على إنظاره ورتبت أجرا عظيما على من ينظر المعسر ويمنحه فرصة للسداد.
ولفت إلى أن الشريعة جعلت للغارمين نصيبا من الزكاة باعتبارهم من الفئات التي يمكن أن تستحقها عند تحقق شروطها، مؤكدا في الوقت ذاته أنه لا يجوز الإضرار بالمدين المعسر أو بأسرته أو حرمانهم من احتياجاتهم الأساسية.
وفيما يتعلق بالديون التي تنشأ نتيجة الإنفاق على الكماليات، أوضح أن الإنسان إذا اقترض لأمور غير ضرورية ثم عجز عن السداد نتيجة إنفاقه على ما لا يحتاجه، فإنه يكون قد ظلم نفسه، داعيا إلى عدم الاستدانة إلا عند الحاجة ولا سيما في أساسيات الحياة والضروريات.
وفي سياق متصل، رفض العثمان استخدام الدين لتبرير الفقر أو تكريس واقع اقتصادي غير عادل، مؤكدا أن مطالبة الفقير بالصبر على فقره دون السعي إلى معالجة أسبابه لا تنسجم مع مقاصد الشريعة.
وقال إن استخدام الدين لتبرير الفقر وتبرير الواقع الاقتصادي يعد خيانة للدين ولمقاصد الشريعة، مشددا على أن الإسلام جاء ليجعل الإنسان عزيزا ويصون كرامته وأن معالجة الفقر يجب أن تكون من خلال البحث عن أسبابه ووضع الحلول المناسبة لها، على مستوى الفرد والمجتمع.
واستشهد بقصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فأعانه على العمل، مبينا أن الرسول لم يكتف بدعوته إلى الصبر على فقره وإنما وجهه إلى وسيلة تمكنه من الكسب والاستغناء عن سؤال الناس.
وأكد أن الأصل في التعاليم الإسلامية هو معالجة أسباب الفقر وليس مطالبة الفقير بالتعايش معه
مشيرا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه الاستعاذة من الفقر، لما يترتب عليه من آثار ومضار على حياة الإنسان.
وأضاف أن الداعي الذي يتحدث باسم الدين ينبغي أن تكون نظرته إلى قضية الفقر أعمق وأشمل وأن يسعى إلى طرح الحلول والمعالجات الاقتصادية، بدلا من تبرير الفقر أو مطالبة الفقراء بالصبر عليه دون معالجة أسبابه.
وفيما يتعلق بحقوق الدائن، أكد أن للشخص حقا في ماله، إلا أن هذا الحق ليس مبررا للإضرار بالمدين المعسر، مشيرا إلى أن الشريعة راعت حالة العجز الحقيقي عن السداد ولم تجعل المعسر المستحق للإمهال محلا للعقوبة لمجرد عجزه.
وأوضح أن السنة النبوية تضمنت نماذج في التعامل مع المدين العاجز، منها الدعوة إلى مساعدته وجمع المال عنه وإذا لم يكف ما جمع لسداد الدين، يؤخذ منه ما يملك دون تحميله ما لا يستطيع، مؤكدا أن المقصود هو حفظ الحقوق دون تحويل الدين إلى وسيلة للإضرار بالإنسان.
وختم العثمان بالتأكيد على ضرورة مراعاة أصول الشريعة ومقاصدها في قضايا الديون والمعاملات المالية، باعتبارها مسائل تمس حقوق الناس وحياتهم الكريمة، مشددا على أن النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات ومعالجة أسباب الفقر والحد من مظاهر الفقر المدقع في مقابل الغنى الفاحش.

