المحامي عماد القطامين يكتب حول شجاعة الموقف الأردني في الأمم المتحدة

5 د للقراءة
5 د للقراءة
المحامي عماد القطامين يكتب حول شجاعة الموقف الأردني في الأمم المتحدة

صراحة نيوز / محمد العساسفة

بقلم المحامي عماد القطامين

في زمنٍ أصبحت فيه المواقف السياسية تُقاس أحياناً بحسابات المصالح، وتُدار فيه الأزمات بمنطق القوة والنفوذ، تبرز شجاعة الموقف حين يقف القائد أمام العالم، لا ليقول ما يرغب الآخرون بسماعه، وإنما ليقول ما يمليه عليه ضميره ومسؤوليته الوطنية والتاريخية.

ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في دورتها الحادية والثمانين، ليؤكد مرة أخرى أن الأردن لا يتعامل مع قضايا المنطقة بمنطق المساومة على المبادئ، ولا يرى في التمسك بالدبلوماسية والقانون الدولي ضعفاً، بل يعتبرهما طريقاً لحماية الحقوق وتحقيق السلام.

لقد كانت كلمات جلالته واضحة حين أكد أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُساء تفسيره على أنه ضعف، وهي رسالة تحمل في مضمونها الكثير من الشجاعة السياسية؛ فالدبلوماسية التي تستند إلى الثبات على المبادئ ليست تراجعاً، والهدوء في الخطاب لا يعني غياب القدرة على اتخاذ الموقف الحازم عندما يتعلق الأمر بأمن الأردن ومصالحه الوطنية.

والأكثر وضوحاً أن جلالة الملك وضع الأمن الوطني الأردني في مكانه الطبيعي من أولويات الدولة، حين أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن القومي، وأن الأردن لن يغض الطرف عن ذلك، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وهنا تتجلى شجاعة القائد؛ فالشجاعة ليست في رفع الصوت، وإنما في القدرة على تحديد الخطوط التي لا يمكن تجاوزها، وإيصال الرسالة بوضوح إلى المجتمع الدولي، مع المحافظة في الوقت ذاته على لغة الدولة ومسؤوليتها.

ولأن جلالة الملك يدرك أن قوة الدولة لا تُبنى على المواقف الآنية وحدها، فقد جاء خطابه مؤكداً على منظومة متكاملة من القيم: احترام القانون، والتمسك بالمؤسسات الدولية، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، ودعم السلام العادل، والاستمرار في مساندة الشعب الفلسطيني، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في إطار الوصاية الهاشمية.

ومن منظور قانوني، فإن اللافت في الخطاب الملكي هو الربط بين السياسة والقانون؛ فالعالم الذي تسود فيه القوة على حساب القواعد هو عالم يفقد الثقة، بينما احترام الاتفاقيات والقانون والمؤسسات الدولية يخلق أساساً يمكن أن يقوم عليه السلام والاستقرار. وقد شدد جلالته على أن انهيار الثقة بالدول والاتفاقيات والقوانين يجعل التحديات أكثر صعوبة، في حين أن الحفاظ عليها يجعل التعاون ممكناً.

إن الأردن، بقيادة جلالة الملك، لا يرفع شعارات السلام من باب الخطابة السياسية، وإنما يطرح السلام باعتباره خياراً قائماً على العدالة والحقوق واحترام القانون. وفي الوقت ذاته، لا يسمح بأن تُفهم دعواته للحوار على أنها تخلٍّ عن الثوابت أو تنازل عن المصالح الوطنية.

وهذه المعادلة تحديداً هي ما يجعل الموقف الأردني مميزاً: انفتاح على الحوار دون تنازل عن الثوابت، وتمسك بالدبلوماسية دون قبول بأن تُفسر على أنها ضعف، ودفاع عن السلام دون التخلي عن الحق.

لقد تحدث جلالة الملك أمام العالم بلغة رجل دولة يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ويدرك كذلك أن الأردن، رغم محدودية موارده، يمتلك ما هو أثمن من ذلك كله؛ يمتلك موقفاً ثابتاً، وشرعية تاريخية، ودوراً إقليمياً، وإرادة سياسية تعرف أين تقف ومتى تقول كلمتها.

ولعل أجمل ما في الموقف الأردني أن قوته لا تحتاج إلى ضجيج؛ فالأردن يقول كلمته بهدوء، لكنه يقولها بوضوح.

ومن هنا، فإن شجاعة جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة ليست شجاعة الخطاب وحده، وإنما شجاعة الموقف؛ شجاعة أن تتمسك الدولة بما تؤمن به حتى في زمن تتغير فيه التحالفات والحسابات، وأن تضع أمنها الوطني وحقوق الشعوب والقانون الدولي في مقدمة خطابها السياسي.

لقد كان صوت الأردن في الأمم المتحدة صوتاً هاشمياً واضحاً: نحن مع السلام، لكن السلام العادل؛ ومع الحوار، لكن الحوار الذي يحفظ الحقوق؛ ومع القانون الدولي، لكن القانون الذي يُطبَّق على الجميع؛ ومع الاستقرار، لكن الاستقرار الذي لا يقوم على الظلم أو التهجير أو فرض الأمر الواقع.

وفي هذه اللحظة، لا يسعني إلا أن أقول إن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أثبت مرة أخرى أن شجاعة القائد لا تكون دائماً في مواجهة الخصوم، بل تكون أحياناً في الوقوف أمام العالم أجمع، وقول الحقيقة كما هي، والدفاع عن الوطن والمبدأ والإنسان، مهما كانت صعوبة المرحلة.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على وطننا أمنه واستقراره وعزته.

 

شارك هذا المقال