مشروع سكة العقبة الشيدية معان يضع جنوب المملكة على خارطة التصنيع الإقليمي

8 د للقراءة
8 د للقراءة
مشروع سكة العقبة الشيدية معان يضع جنوب المملكة على خارطة التصنيع الإقليمي

صراحة نيوز – أكد معنيون بالشأن الاقتصادي والتنموي أن مشروع السكك الحديدية الوطني (العقبة – الشيدية – معان)، يمثل ركيزة استراتيجية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي (2023-2033)، وقاطرة تنموية كبرى تضع جنوب البلاد على خارطة التصنيع الإقليمي.

وقالوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، اليوم السبت، إن المشروع لا يقتصر على كونه شريان نقل يربط مواقع التعدين بالميناء فحسب، بل يشكل نقطة تحول مفصلية لإعادة هيكلة اقتصاد المنطقة، وتحويل معان والعقبة من محطات عبور ومصدرين للمواد الخام إلى أقطاب لوجستية ومراكز إقليمية للإنتاج والتصنيع وسلاسل القيمة المضافة.

وشهد جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، الاثنين الماضي، وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان، أحد أبرز مشاريع النقل السككي في الأردن.

ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة نقل منتجات التعدين وخفض كلف النقل، بما يعزز تنافسية الصادرات الأردنية ويرسخ مكانة ميناء العقبة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.

ومن المتوقع أن ينقل المشروع ضمن مرحلته الأولى قرابة 13 مليون طن فوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، ويحقق تكاملا مع مشروع ميناء معان البري عبر إتاحة نقل البضائع المختلفة بكفاءة عالية بين العقبة ومعان.

ويعد المشروع جزءا رئيسيا من خطة أوسع لإنشاء مشروع شبكة سكة الحديد الوطنية، وهو أحد أبرز مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي.

وجرى في نيسان الماضي توقيع اتفاقيات استراتيجية بين الأردن ودولة الإمارات، تتضمن إنشاء مسارات سككية بطول 360 كم لنقل صادرات الفوسفات والبوتاس من الشيدية وغور الصافي إلى العقبة، وأكدت وزيرة النقل الأسبق الدكتورة لينا شبيب، أن تحويل المشروع من مجرد خط لنقل الخامات والتعدين إلى محرك تنموي حقيقي، يستند أولا إلى حقيقة تاريخية واقتصادية راسخة، فالنقل كان دوما جزءا لا يتجزأ من اقتصاد محافظات الجنوب في العقبة ومعان، وظلت المحافظتان بوابة رئيسية للمنطقة وجزءا أساسيا من مسارات الحركة التجارية وشبكة الطرق والسكك الحديدية. وبينت أن معان ومحيطها لن تنتقل من اقتصاد قائم على التوريد الخام إلى اقتصاد منتج وقائم على التصنيع، إلا حين تدمج المحطة والخط ضمن سلاسل الإمداد والتزويد وأعمال التحويل والتعبئة والفرز والتوزيع.

وأشارت إلى أنه عندما تصبح السكة جزءا أساسيا من دورة الإمداد والاستلام، فسيسهم ذلك في جذب وحدات تصنيع خفيفة ومتوسطة تشمل التعبئة، والتشغيل الأولي، ومعالجة المخلفات، والمنتجات المشتقة والتي ستستفيد بشكل مباشر من انتظام الشحن وانخفاض كلف النقل على المدى الطويل.

وبينت شبيب أنه في الاقتصادات الناشئة لا تقاس القيمة بكمية الحمولة وحدها، بل بما تتيحه من هامش قدرة تنافسية، وأن السكة لا تخلق فرصا للشحن فحسب، بل تنشئ نظاما متكاملا يشمل المستودعات، ومراكز المناولة، وخدمات الصيانة، وأعمال عقود التشغيل، وكل ما يتصل بالخدمات اللوجستية، مما يعني توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة لأبناء مدينتي معان والعقبة ومحافظات الجنوب عموما.

ولفتت إلى أن كلفة النقل تقليديا لا تتعلق فقط بالمسافة، بل ترتبط أيضا بالتأخير، والهدر، وتقلب الأسعار، لذا فإن وجود مسار سكة أكثر انتظاما يقلل من كلفة عدم اليقين، وهو عامل حاسم في تشجيع الاستثمار.

من جهته، أوضح أستاذ التنمية الاقتصادية وأسواق العمل بقسم الاقتصاد بكلية الأعمال في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور إبراهيم الهوارين، أن المشروع يهدف إلى إنشاء منظومة نقل سككي حديثة تربط مناطق إنتاج الفوسفات في الشيدية والبوتاس في غور الصافي بالميناء الصناعي في العقبة، إلى جانب الربط بمدينة معان ومشروع الميناء البري المقترح فيها.

وبين أن أهمية المشروع تنبع من كونه خطوة أولى نحو شبكة سكك حديدية وطنية متكاملة تربط الموانئ ومناطق الإنتاج ومراكز التخزين، وتوفر أفقا أوسع للربط الإقليمي.

وأكد أن الاعتماد على السكك الحديدية يسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد، وخفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس، وتقليل الاعتماد على النقل بالشاحنات للمسافات الطويلة، وتخفيف الضغط على شبكة الطرق، وتعزيز قدرة الصادرات الأردنية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وأوضح أن التقديرات تشير إلى أن معان ستؤدي دورا في استقبال البضائع وتجميعها ومناولتها وإعادة توزيعها مستقبلا إلى عدد من الأسواق الإقليمية، في حين يتوقع أن يسهم المشروع في توفير نحو 5 آلاف فرصة عمل في جنوب المملكة.

وذكر أن الأثر الاقتصادي سيمتد إلى المقاولين والموردين المحليين وخدمات الصيانة والنقل البري والمطاعم والإسكان والخدمات التجارية، لا سيما خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل.

وأشار إلى أنه من المتوقع أن يعزز المشروع النشاط الاقتصادي المرتبط بالموانئ والتجارة الخارجية والخدمات اللوجستية والصناعات التصديرية، نتيجة زيادة كفاءة نقل المواد الخام والمنتجات من مواقع الإنتاج إلى ميناء العقبة المجاور لمحافظة معان وتقليل كلف النقل، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابيا على نمو قطاع التعدين والصادرات الأردنية، ما يؤدي إلى استقطاب استثمارات إضافية إلى محافظات الجنوب.

وأكد الهوارين أن الربط السككي الجديد لا يمثل مشروع نقل منفردا، بل يمكن أن يعمل كمحفز لتشكيل محور اقتصادي متكامل بين معان والعقبة يجمع التعدين والصناعة والنقل والتخزين والتصدير، ويزيد من حصة جنوب الأردن في النشاط الاقتصادي والاستثماري للمملكة.

من جهته، أكد عميد كلية الأعمال في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور زيد العبادي، أن المشروع يمثل تحولا استراتيجيا فارقا ينقل محافظة معان نحو مصاف الأقطاب اللوجستية والصناعية المتكاملة، لتحويلها إلى مركز إقليمي محوري للتجميع والتوزيع اللوجستي.

وأوضح أن هذه النقلة تتجلى في إنشاء قيمة مضافة محليا عبر تحفيز إقامة صناعات تحويلية وتعدينية داخل المحافظة بدلا من تصدير الخامات بصورتها الأولية، إلى جانب خفض الكلف التنافسية بنسب قياسية مقارنة بالنقل البري التقليدي، وتوليد فرص عمل مستدامة لأبناء الجنوب، وتخفيف الأعباء المرورية عن شبكة الطرق.

وأكد العبادي أن المشروع يتجاوز مفهوم خط النقل التقليدي ليغدو محركا تنمويا حقيقيا، يعمل على إعادة هيكلة اقتصاد الجنوب الأردني عبر خفض كلف الإنتاج وبناء سلاسل قيمة صناعية مستدامة.

بدوره، أكد الخبير التنموي محمد الفرجات، أن مشروع سكة حديد العقبة– الشيدية– معان يجب ألا يختزل في كونه مشروعا لنقل خامات التعدين من مناطق الإنتاج إلى ميناء العقبة، بل ينبغي التعامل معه باعتباره مشروعا استراتيجيا لإعادة هيكلة اقتصاد الجنوب، وتحويل منظومة النقل إلى أداة لإيجاد قيمة مضافة محلية مستدامة.

وأوضح أن القيمة الاقتصادية الأكبر للمشروع لا تكمن فقط في خفض كلف نقل الخامات، إنما في ما يمكن أن ينشأ حول السكة من منظومة صناعية ولوجستية متكاملة، تبدأ من مناطق التعدين، مرورا بمراكز التجميع والتخزين والمعالجة الأولية، وصولا إلى الصناعات التحويلية التي تنتج مواد ومنتجات نهائية أو شبه نهائية بدلا من تصدير الخام بصورته الأولية.

وأكد الفرجات أن ربط معان بالعقبة عبر سكة حديدية حديثة يتيح إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين المحافظتين؛ فالعقبة توفر الميناء والانفتاح على الأسواق العالمية، فيما يمكن لمعان أن توفر الموارد والأراضي والمساحات اللازمة للصناعة والخدمات اللوجستية، بما يصنع تكاملا اقتصاديا بدلا من الاقتصار على وظيفة النقل.

وأضاف أن التخطيط للمشروع يجب أن يبدأ بالتوازي مع التخطيط للمناطق التي ستنشأ حوله، حيث يجب أن تبنى منذ البداية خريطة استثمارية تحدد ماذا سينتج، وأين سيصنع، وما الصناعات التي يمكن توطينها، وما الأسواق المستهدفة، وما المهارات المطلوبة، وكيف يمكن ربط الجامعات ومؤسسات التدريب بهذه الاحتياجات.

وأكد أهمية تطوير مفهوم “المحطات الاقتصادية” على طول مسار السكة، بحيث لا تكون المحطة مجرد نقطة توقف وتحميل وتفريغ، وإنما نواة لنشاط صناعي أو لوجستي أو خدمي، وفق الإمكانات والموارد المحلية لكل منطقة.

ورأى الفرجات أن نجاح المشروع لن يقاس مستقبلا بعدد أطنان الخامات التي تنقلها القطارات، إنما بعدد المصانع والاستثمارات وفرص العمل والمنتجات الجديدة التي تنشأ بفضلها، وحجم القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني ومحافظة معان تحديدا.

شارك هذا المقال