صراحة نيوز- محمد علقم
في زمنٍ تتكاثر فيه البيانات وتقلّ فيه الأفعال، تختار الإمارات العربية المتحدة أن تذهب مباشرة إلى حيث يجب أن تكون: إلى الإنسان، لا إلى العناوين. وصول طائرة مساعدات جديدة إلى العريش، محمّلة بمئة طن من الغذاء، ليس مجرد خبر عابر، بل تعبير صريح عن فلسفة متكاملة ترى في الإغاثة مسؤولية لا تقبل التأجيل.
في قطاع غزة، حيث تختلط الحاجة اليومية بصعوبة الوصول، يصبح الغذاء أكثر من ضرورة، ويغدو تأمينه معركة بحد ذاتها. وهنا، لا تبدو عملية «الفارس الشهم 3» كاستجابة طارئة فحسب، بل كمنظومة عمل مستدامة، تتحرك عبر الجو والبر والبحر، لتؤكد أن الدعم الحقيقي هو الذي يصل، لا الذي يُعلَن عنه فقط.
لكن الأهم من ذلك، هو التحول النوعي في طبيعة هذه الجهود. فالمستشفى الإماراتي العائم في العريش لا يكتفي بعلاج الجراح، بل يرمم ما هو أعمق: الإحساس بالأمان، والثقة بأن هناك من لا يزال يضع الإنسان في صدارة الأولويات. انضمام فريق طبي من إندونيسيا إلى هذا الجهد يعكس اتساع الدائرة، ويؤكد أن القيم الإنسانية، حين تكون صادقة، قادرة على تجاوز الحدود والجغرافيا.
وسط هذا المشهد، تتكشف مفارقة لافتة: بينما تتعثر كثير من المبادرات في دهاليز السياسة، تمضي هذه الجهود بخطى واضحة، مدفوعة بإرادة الفعل لا حسابات التردد. إنها مقاربة مختلفة، ترى أن إنقاذ حياة واحدة اليوم، أهم من انتظار حلول كبرى قد لا تأتي غداً.
الإمارات هنا لا تقدم مساعدات فحسب، بل تقدم نموذجاً. نموذجاً يقول إن التضامن ليس شعاراً، بل قرار. وإن الوقوف إلى جانب الشعوب في أوقات الأزمات ليس ترفاً سياسياً، بل واجب أخلاقي.
قد لا تغيّر هذه الطائرات والمستشفيات مسار الأزمة بالكامل، لكنها بلا شك تغيّر شيئاً أكثر عمقاً: تمنح الأمل شكلاً ملموساً، وتعيد تعريف معنى الحضور الإنساني… حين يكون فعلاً، لا وعداً.

