اللهجة الكركية عنصر في هوية تاريخية أصيلة..

5 د للقراءة
5 د للقراءة
اللهجة الكركية عنصر في هوية تاريخية أصيلة..

صراحة نيوز- ابراهيم عبدالمجيد القيسي.

في الموسيقى العربية، قالوا إن أصل فن الحداء كان من راعي إبل، سقط من فوق ظهر ناقته، وكسرت يده، وأصبح يتأوه شاكيا ألمه للناقة قائلا: “وايداه.. حايداه” .. ومن هذا الموقف أطلقت تسمية الحداء والذي يؤديه هو “الحادي”.. او “حادي العيس”، وهو الشخص الذي يسوق او يقود الإبل، او يواكبها، ويطلق أصواتا وأوامر للسيطرة على القطيع، تفهمها الإبل وتثق بها، فتمتثل لتوجيهات الحادي.

في هذا الزمن؛ الذي يحاول إذابة الهويات، وسكبها من جديد في هوية عالمية بملامح تسويقية تجارية، تأبى الهويات الأصيلة الذوبان، وهذا الإباء، او رفض الإنسياق مع وصفة الذوبان، يعتمد على قوة رسوخ الهوية وملامحها، وهذا يتجلى في لهجتنا الكركية، ولهجات أردنية أخرى، فلهجتنا، التي تستقر برسوخ شديد على ألسنتا، وكأنها عضو من أعضاء الجسد، وإنني شخصيا أعيش هذه الحالة، حتى اليوم، رغم مرور حوالي 30 عاما على وجودي في عمان العاصمة، المدينة التي تضم ملايين الناس، بلهجاتهم المختلفة، وما زلت أشعر بأن لهجتي الكركية تقف حائلا بيني وبين الاندماج السلس في المعادلة الإجتماعية في هذه المدينة..

حين أحاول ان أفكر في الأصل اللغوي لبعض الكلمات التي نتداولها في الكرك، أدرك بما تيسر لي من ثقافة لغوية متواضعة، أن لهجتي أقرب إلى الفصحى، من بين لهجات كثيرة، نسمعها، ونتعامل معها في الأردن، ولعل أكثر ما يميز لهجتنا، ويستنفر بعض البسطاء من “أهل المدينة”، ويدفعهم للتندر، هو خطابنا للمؤنث، بكسر كاف المُخاطَب الأخيرة وتسكين ما قبلها، ليظهر الكسر للكاف واضحا، حادّا، حازما، حاسما للمعنى، حافظا لحدود وكرامة وأهمية المخاطَب، والذي يدلل بما لا يدع للشك، بان المخاطَب هو أنثى، بينما حين يكون المخاطب مذكرا، تجد التسكين على الحرف الأخير والفتح على الحرف الذي يسبقه، فالتسكين هنا يوحي بوقار واهتمام لا نجده الا عند تلاوتنا لمواد في القانون..

النص السابق والاستنتاج، شخصيان، ولم أسأل أحدا عنهما ولم أقرأ شيئا بخصوصهما، وتوصلت إليهما أكثر من مرة، كلما فكرت بسبب يبرر لبعض أهل المدينة هذا الإنطباع المنفّر مني ومن لهجتي، التي لا أستطيع تغييرها.. رغم محاولاتي التي لا انكرها، ومهما “تواريت” فإن ثمة بصمة صوتية خاصة بلهجتي، لا يمكنني استبدالها حتى لو عبثت بالأوتار الصوتية في الحنجرة، لأن هذه الأصوات تصدر من مكان أعمق من الحلق والرئة، وهذا يدلل على أن اللهجة ليست مجرد كلمات، بل هوية ونفسية، اجتمعتا في معادلة تفاعلت منذ الأزل، وأصبحت تكوينا رئيسيا في شخصية ثقافية خاصة بالكرك ومواطنيها، وهي خصيصة تجدها في لهجات أردنية أخرى كثيرة، يستطيع علماء الإجتماع والصوتيات وعلماء النفس، ان يتحدثوا عنها بمعلومات أكثر دقة من معلوماتي الاستنتاجية.

السابق كله كلام عام، لكن الكلام الخاص متعلق بالذين فتحت لهم “السوشال ميديا” نافذة، ليظهروا لنا مدى استفحال لوثة التطبيقات الاجتماعية في نفسياتهم، حين يسعى أحدهم أو إحداهن لما يعتبره “تفوقا” و”سلطة”، فرضتها هذه التطبيقات على محدودي الثقافة والأفق، والهائمين على غير هدى وغاية في الشاشات .. ومن بين هؤلاء بعض منا نحن المتحدثين بهذه اللهجة، حيث سبق وأن قرأت بل وسمعت وشاهدت حديثا، يقدمه بعض هؤلاء، يتندرون هم أنفسهم على أنفسهم، بابتذال لهجتهم، وهذا أمر له دوافع نفسية وضحالة ثقافية، ويعبر عن حالة من “التيه”، من الطبيعي أن نلمسها في سلوك بعض البسطاء على شاشات تطبيقات التواصل الاجتماعي، وهم ربما أقل ابتذالا من غيرهم، فهم على الأقل يلجأون للهجتهم لجمع اللايكات والمتابعات الخيالية، بينما يقوم آخرون من ثقافات وهويات أخرى، بجمع اللايكات بتصوير انفسهم وأهلهم وأفراد من عائلاتهم، ونشر خصوصياتهم “حتى المحرمات في عرفنا”، لحصد اعجابات غبية ومشاهدات!!.

الكلمات التي استخدمها المطرب الأردني عمر العبداللات،في اغنيته التي أضفت حالة من التهكم على لهجتنا والسخرية منها، من قبل الذين سمعوها وتفاعلوا معها، كنت وقبل عدة أسابيع، قد قرأتها نفسها سابقا، وأكثر من مرة، على هيئة “نهفات” بل قل سماجات مفلسة، كتبها بعضهم على صفحته، فهي ليست فقط كانت “ملهمة” للمطرب العبداللات، ليقدمها في أغنية، ذات مستوى متواضع وبسيط جدا من ناحية “التكنيك” الموسيقى والصوتي، بل نسبها الرجل لنفسه كشاعر ثم ملحّن ثم مغني!! ومن هنا بدأت الردود الرافضة لهذا العمل المتواضع، وسرعان ما جرى انتقاده من المتحدثين بهذه اللهجة.

ومن بين أكثر الردود عمقا، ولذعا للمطرب العبداللات، والذي منذ ان قرأته أمس، وأنا لا أسيطر على نفسي من الضحك، ما كتبه أحد المتحدثين بهذه اللهجة، التي يملك المتحدثون بها مؤهلات استثنائية في النقد اللاذع، الجريء، والطرفة الموجهة المشروعة، والتي تستوفي بعض الحق من المتندر على اللهجة الكركية، فقد كتب ذلك الشاب الكركي ما يمكن اعتباره معلومة عميقة الدلالة، ذكرها في غموض يزيدها عمقا، ولم يذكر فيها اسم شخص بعينه، فقال:
“هذا جزاء الكرك التي أقام فيها أول حفلة له، وكانت أجرته عشا ونيرتين”..

Share This Article