صراحة نيوز – لم يقتصر توهج الشاعر الفلسطيني الأشهر محمود درويش على كتابة قصائد تنضح بالعذوبة والمعاني الإنسانية العميقة وجماليات اللغة غير المسبوقة، وإنما امتدت آثاره البديعة إلى المقالات السردية والكتابة النثرية التي ترك فيها إنتاجًا مدهشًا، لكن اللافت أنه لم يقدِم على خوض تجربة الكتابة الروائية.
السبب وراء ذلك يكشف عنه كتاب “هكذا صنعت قصيدتي”، الصادر عن دار “مرفأ”، والذي يضم أبرز الحوارات الإعلامية التي أدلى بها درويش عبر حقب زمنية مختلفة، تقديم وتحرير الباحث والمؤرخ المصري محب جميل.
ويواكب صدور الكتاب مرور 85 عامًا على ميلاد أحد أشهر الشعراء العرب في القرن العشرين، تحديدًا في الـ13 من مارس/آذار 1941، حيث كُتبت عنه مئات الدراسات والمؤلفات، إلا أن مسيرته الاستثنائية لا تزال تحمل مناطق مدهشة لم يتم التطرق إليها من قبل.
ويعزو درويش عدم إقدامه على خوض تجربة تأليف الروايات إلى أنه “ببساطة شديدة لم يكن يضمن النتائج ويخشى من الفشل”، فهي تحتاج برأيه إلى “جهد وصبرٍ غير متوافرين فيه”، رغم تأكيده أنه أحبّ النثر، “المقال والرواية والقصة القصيرة”، أكثر من الشعر.
ويضيف أنه خرج من قراءته للأدب الصوفيّ العربي، بما يفيد أن الشّعر ليس هو أفضل ما فيه، بل النصّ النثريّ، فمثلًا الفيلسوف “ابن عربي”، نصّه النّثريّ أكثر ثراءً من نصّه الشّعري.
وحول غلبة الطابع الإنساني على السمت السياسي في قصائده حتى وهو يتناول القضية الفلسطينية، يوضح درويش أنه في منتصف الثمانينيات، طرأ على شِعره تغير واضح، حيث لم يعد يعبّر عن اللحظة السياسية الفلسطينيّة، بل عن “إنسانيّة الفلسطيني”.
ويشير إلى أنه انتقل بالتالي من النمط إلى الإنسان، أي أنه تعلّم أن يطرد من صياغته الخطاب السياسيّ البطولي، ويتعمّق في “مأساوية” الموقف الفلسطيني، وفي “جماليّة” هذه المأساة.
ويتابع موضحًا تلك الفكرة: “انتقلتُ من الحماسة، التي كانت تميّز مرحلة من مراحل الشعب الفلسطيني، إلى التأمل الذاتي، وإلى (أنسنة) الموضوع الفلسطيني، فلم أعد أقوى على الصراخ”.
ويشرح توجهه العام في تلك النقطة قائلًا: “أنا شاعر مهووس بخلق معادل لغوي للواقع العربي الذي نعيش فيه، أي أنّني أخلق واقعاً لغويًّا، لا يهمّني أن أكون شاعرًا ثوريًّا أو رومانسيًّا”.
ويتابع موضحًا: “في قصيدتي الواحدة مدارس فنية وإبداعية عدّة، أنا أستفيد من كل المدارس وأكتب قصيدة متميزة اسمها قصيدة درويشيّة ومن دلائل ذلك أن علاماتي، بصماتي الشعرية، موجودة على جيل كامل”.

