صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات
في الوقت الذي تبذل فيه الأجهزة الأمنية جهودًا كبيرة لحماية الأرواح وتعزيز السلامة المرورية، ما تزال السرعات الزائدة داخل أحياء مدن وقرى المملكة تمثل خطرًا يوميًا يهدد حياة المواطنين ويثير قلق الأسر، خصوصًا في الشوارع السكنية الضيقة التي لم تُنشأ أصلًا لتكون مسارات للسرعة أو الاستعراض أو القيادة المتهورة.
ففي كثير من الأحياء السكنية، باتت مشاهد المركبات المسرعة، والحركات البهلوانية، والتجاوزات الخطرة، والانعطافات المفاجئة، ومظاهر الاستهتار بقواعد السير، أمرًا يتكرر بصورة مقلقة، في ظل وجود أطفال يلعبون أمام منازلهم، وكبار سن يعبرون الطرقات، وعائلات تبحث عن الحد الأدنى من الأمان داخل محيطها السكني.
ولا تقف خطورة هذه السلوكيات عند حدود الإزعاج أو الضجيج، بل تتجاوزها إلى تهديد مباشر للأرواح والممتلكات، حيث قد يتحول خطأ واحد أو لحظة تهور إلى مأساة إنسانية لا يمكن تعويضها، خاصة أن كثيرًا من شوارع الأحياء تفتقر إلى المساحات الآمنة أو الأرصفة المناسبة أو وسائل التهدئة المرورية الكافية.
ومع اقتراب العطلة الصيفية، تزداد أهمية هذا الملف بصورة أكبر، إذ إن أطفالنا – وفي ظل قلة الملاعب العامة بل وغيابها في بعض المناطق – يجدون في شوارع الأحياء وساحاتها المتنفس الوحيد ومكانًا للعب والتجمع وقضاء الوقت.
وغالبًا ما تصبح الشوارع السكنية مكتظة بالأطفال والصغار الذين يخرجون بحكم طبيعتهم وبراءتهم مسرعين من منازلهم إلى الطريق دون الالتفات الكامل للمركبات أو تقدير حجم الخطر، ما يجعل أي سرعة زائدة أو قيادة متهورة تهديدًا حقيقيًا قد يخطف فرحة الصيف ويحول لحظة لعب بريئة إلى حادث مؤلم.
كما يلاحظ الأهالي في بعض المناطق وجود مخالفات متكررة للسرعات القانونية داخل الأحياء، إلى جانب قيادة بعض الأحداث للمركبات دون ترخيص قانوني أو أهلية كافية، الأمر الذي يضاعف حجم المخاطر ويستدعي إجراءات أكثر حزمًا في المتابعة والضبط والمساءلة.
ومن هنا، نجد الحاجة الملحة إلى حملة وطنية متكاملة لا تقتصر على تحرير المخالفات فحسب، وإنما تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: التوعية، والرقابة، والهندسة المرورية الوقائية.
فالتوعية المجتمعية ضرورة ملحة، عبر بث رسائل واضحة ومتواصلة حول حدود السرعة القانونية داخل الأحياء السكنية، والتأكيد أن السرعة ليست مهارة ولا مظهر قوة، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية قد ترتبط بحياة إنسان بريء.
كما أن المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في بناء ثقافة مرورية أكثر وعيًا واحترامًا للآخرين.
أما الرقابة، فتتطلب استمرار وتشديد المتابعة الأمنية داخل المناطق السكنية، وضبط المخالفين وأصحاب السلوكيات الخطرة، وتشديد العقوبات على القيادة المتهورة والحركات الاستعراضية التي تعرض الناس للخطر، إضافة إلى التعامل بحزم مع قيادة الأحداث للمركبات دون ترخيص، لما تمثله من تهديد مباشر للسلامة العامة.
وفي الجانب الوقائي، تبدو الحاجة واضحة إلى زيادة الشاخصات المرورية الخاصة بتحديد السرعات داخل الأحياء، وإنشاء المطبات الهندسية المدروسة ووسائل التهدئة المرورية في المواقع التي تشهد مخالفات متكررة أو كثافة سكانية عالية، بما يسهم في حماية السكان والحد من الحوادث قبل وقوعها.
كما أن شركات التوصيل المختلفة مطالبة بدور مسؤول في هذا الملف، من خلال إلزام العاملين لديها بالتقيد الصارم بالسرعات القانونية وعدم ربط الأداء أو الحوافز بسرعة الإنجاز على حساب سلامة الناس، فالمجتمع لا يمكن أن يقبل أن تتحول خدمة التوصيل إلى مصدر خطر على الأطفال والعائلات في الأحياء السكنية.
ويبقى للأهالي دور أساسي لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية، من خلال الإبلاغ عن المخالفين والسلوكيات التي تهدد الأرواح البريئة، فحماية الحي مسؤولية مشتركة، والسكوت عن التهور قد يفتح الباب أمام كارثة كان بالإمكان منعها.
عطوفة مدير الأمن العام،،،
إن ملف السرعات القاتلة داخل أحياء المملكة ليس مجرد قضية مرورية عابرة، بل قضية أمن مجتمعي وسلامة عامة وحق أساسي للمواطن في أن يشعر بالأمان أمام منزله وفي شوارع حيه. فكل إجراء وقائي اليوم قد ينقذ حياة غدًا، وكل رسالة حزم وتوعية ورقابة تعني أسرة أقل حزنًا وطفلًا أكثر أمانًا ووطنًا أكثر طمأنينة.

