صراحة نيوز- كتب الباحث الإعلامي محمد القرعان
خرج علينا بعض الكُتّاب والمحللين، بعد الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الاتصال الحكومي محمد المومني حول الاستعانة بـ “المؤثرين” لنفي الشائعات، بمحاولات مطولة لإقناع الناس بأنهم “لم يفهموا المقصود”، وأن المؤثر لا يعني فقط مشاهير المقالب والإعلانات والترفيه، بل قد يكون صحفياً، أو أكاديمياً، أو مفكراً، أو سياسياً، أو حتى معارضاً.
وكأن المشكلة كانت في تعريف الكلمة!
يا معشر كُتّاب الأمة…الغفلةُ ليست للكُتّاب.
يا معشر كُتّاب الأمة…الغفلةُ ليست عند الناس. ولا في فهم الأردنيين لمعنى “المؤثر”.
الغفلة الحقيقية هي تجاهل جوهر القضية بالكامل.
لا أحد اعترض على استخدام المؤثرين في حملات التوعية أو التسويق أو المبادرات المجتمعية، فهذا يحدث في كل دول العالم، وهو أمر طبيعي وصحي ومتوقع في عصر الإعلام الرقمي.
لكن الخطير أن يتم الحديث عن “الاستعانة بالمؤثرين لنفي الشائعات”.
هنا تتغير المسألة بالكامل.
لأن نفي الشائعات ليس حملة ترويجية لمنتج، ولا إعلاناً سياحياً، بل وظيفة مرتبطة بالمعلومة الرسمية والثقة العامة وإدارة الرواية الحكومية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل وصلت الحكومة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى وسطاء ومؤثرين لإقناع الناس بروايتها؟
وهل يجوز أصلاً أن تصطفي الحكومة أفراداً من المؤثرين ليكونوا “مؤثرين حكوميين” لنفي الشائعات أو تمرير الرواية الرسمية؟
وإذا جاز ذلك.. فمن يختارهم؟ وبأي معايير؟ ومن يمنحهم صفة “المؤثر الوطني”؟ ومن يراقب أداءهم؟ ومن يحاسبهم إذا ضللوا الناس أو خلطوا الرأي بالمعلومة؟ أو إذا استثمروا ذلك في مصالح شخصية ؟
إن المشكلة ليست في المصطلح، بل في الفكرة ذاتها. فكرة أن تتحول الدولة من الاعتماد على مؤسساتها الرسمية إلى الاعتماد على المؤثرين لإدارة الرأي العام.
وهنا مكمن الخطر.
لأن الدولة عندما تمنح المؤثرين دوراً في “نفي الشائعات”، فهي عملياً تصنع طبقة جديدة من الوسطاء غير الرسميين بين المواطن والمعلومة.
مؤثرين وسطاء لا يخضعون بالضرورة لمعايير مهنية واضحة، ولا لمساءلة مؤسسية، ولا لضوابط تحريرية، ولا حتى لاستقرار المواقف.
والمفارقة أن بعض من دافعوا عن التصريح، عادوا أنفسهم ليهاجموا “تفاهة المؤثرين” في منشورات أخرى!
وهنا التناقض الصارخ: إذا كنتم تعتبرون أن جزءاً كبيراً من محتوى المؤثرين قائم على السطحية والترند والإثارة، فلماذا يصبح هؤلاء فجأة أدوات مناسبة لبناء الثقة العامة ونفي الشائعات؟
ثم ماذا عن آلاف خريجي الإعلام والصحافة؟
ماذا نقول لهم؟ هل نقول إن سنوات الدراسة والتدريب وأخلاقيات المهنة لم تعد كافية؟ وأن التأثير الحقيقي بات يقاس بعدد المشاهدات والانتشار والخوارزميات؟
الحكومة القوية لا تحتاج إلى “ترند” لتدافع عن روايتها.
الحكومة القوية تملك مؤسسات إعلامية محترفة، وناطقين إعلاميين قادرين على مخاطبة الناس بوضوح وشفافية وثقة.
أما حين يصبح المؤثر أقوى من المؤسسة…فهنا لا تكون المشكلة في “المؤثر”… بل في اهتزاز فكرة المؤسسة نفسها.

