صراحة نيوز – بقلم – نيڨين العياصرة
في كل مرة يعود فيها الحديث عن إعادة حبس المدين، يبدو النقاش وكأن المجتمع أمام خيار واحد.. السجن أو ضياع الحقوق، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ لأن آلاف المتعثرين ماليًا ليسوا محتالين ولا أصحاب شبكات نصب، وإنما أفراد سحقهم الغلاء وفقدان العمل وفشل المشاريع الصغيرة وتراكم الأقساط والفوائد.
السؤال الذي يفرض نفسه دائمًا.. كيف يمكن لشخص عجز عن السداد خارج السجن أن يصبح قادرًا على الدفع داخله؟
عندما يُسج المدين تتوقف قدرته على العمل وتدخل أسرته في أزمة جديدة ويتحول التعثر المالي من مشكلة قابلة للحل إلى أزمة اجتماعية واقتصادية كاملة، أطفال يدفعون الثمن النفسي والاجتماعي. وأسر تفقد مصدر دخلها الأساسي وسجون تتحمل نفقات كبيرة، فيما يبقى الدائن ينتظر أموالًا أصبحت فرص تحصيلها أضعف من السابق.
لهذا السبب بدأت دول عديدة بإعادة النظر في فكرة سجن المدين، والبحث عن حلول أكثر واقعية فاعلية، ففي فرنسا توجد لجان مختصة تعيد تنظيم الديون وفق قدرة الشخص الحقيقية على السداد، مع الحفاظ على استقراره الوظيفي والأسرية، وفي المملكة المتحدة يتم اعتماد خطط تسوية وسداد تدريجي تضمن حقوق الدائن دون دفع المدين نحو الانهيار الكامل، أما في الولايات المتحدة فهناك أنظمة للإفلاس الشخصي تسمح بإعادة ترتيب الالتزامات المالية قانونيًا، بما يمنح الأفراد فرصة جديدة للعودة إلى الحياة والإنتاج.
هذه التجارب لم تتخلّ عن حماية الحقوق المالية، لكنها أدركت أن الاقتصاد لا يبنى بسجن المتعثرين وإنما بإبقائهم قادرين على العمل والإنتاج والسداد، فهناك فرق كبير بين المحتال الذي تعمد الإضرار بالآخرين وبين شخص خسر معركة اقتصادية قد يمر بها أي إنسان تحت ضغط الظروف.
الحلول الحديثة لم تعد قائمة على العقوبة فقط، وإنما على إدارة الأزمة بطريقة تمنع انهيار الفرد والأسرة مع الحفاظ على حق الدائن، فالتسويات القضائية وجدولة الديون وضبط الفوائد والغرامات والرقابة على الإقراض العشوائي وتوسيع الوساطة المالية قبل الوصول إلى المحاكم.. جميعها أدوات أثبتت قدرتها على تقليل التعثر وحماية الاستقرار الاجتماعي.
المعادلة التي أثبتتها التجارب الحديثة واضحة.. الإنسان المنتج يستطيع السداد، أما الإنسان الذي يفقد عمله واستقراره داخل السجن فيخرج غالبًا بأزمة أكبر من الدين نفسه.
ولهذا فإن حماية الحقوق المالية لا تبدأ بتوسيع أبواب السجون وإنما ببناء منظومة قانونية واقتصادية توازن بين حق الدائن واستقرار المجتمع وحق الإنسان في فرصة جديدة للحياة والعمل.

