الخطاب العام لرجال الدولة لا يحتمل العبارات الملتبسة مهما كانت النوايا

3 د للقراءة
3 د للقراءة
الخطاب العام لرجال الدولة لا يحتمل العبارات الملتبسة مهما كانت النوايا

صراحة نيوز- بقلم: اللواء المتقاعد
طارق عبدالمحسن الحباشنة

أثارت التصريحات الأخيرة للدكتور جواد العناني جدلاً واسعاً في الشارع الأردني، ليس بسبب النقاش التاريخي الذي تناولته، وإنما بسبب الصياغة التي استُخدمت في التعبير عنه. فالقضايا المرتبطة بالدولة وتاريخها وحدودها الوطنية لا تحتمل العبارات الملتبسة أو التوصيفات التي تفتح الباب أمام التأويل وسوء الفهم، مهما كانت النوايا أو المقاصد.

وتزداد حساسية الأمر عندما تصدر مثل هذه التصريحات عن شخصية شغلت مواقع قيادية رفيعة في الدولة على مدى عقود. فرجال الدولة لا يُنظر إلى كلماتهم باعتبارها آراء شخصية عابرة، بل باعتبارها مواقف تحمل وزناً سياسياً ومعنوياً، الأمر الذي يفرض عليهم مسؤولية أكبر في اختيار المفردات والتعبيرات، خصوصاً عند تناول الملفات الوطنية الحساسة.

“كلما ارتفع موقع المسؤول في الدولة، تقل مساحة الخطأ في كلماته، لأن تأثير العبارة قد يتجاوز نية قائلها ويصنع جدلاً وطنياً كاملاً.”

لقد كشفت ردود الفعل الواسعة أن المشكلة لم تكن في الفكرة بحد ذاتها، بل في الكلمة التي طغت على الفكرة وأصبحت محور النقاش. وهنا تكمن خطورة التصريحات غير الموفقة؛ إذ تتحول القضية الأساسية إلى هامش، بينما تتصدر العبارة المثيرة للجدل المشهد الإعلامي والشعبي، فتضيع الرسالة ويحل الجدل مكان الحوار الموضوعي.

وفي زمن تتحول فيه المقاطع المقتطعة إلى مادة رئيسية لتشكيل الرأي العام، لم يعد هناك مجال للتعويل على التوضيحات اللاحقة أو حسن النوايا. فالكلمة الأولى هي التي تترك الأثر الأكبر، وأي تعبير غير دقيق قد يتحول خلال ساعات إلى قضية وطنية تتجاوز حدود المقابلة التي قيل فيها.

ولا ينتقص النقد الموضوعي لهذه التصريحات من تاريخ الدكتور جواد العناني أو من المواقع التي شغلها وخدم من خلالها الوطن، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الخبرة السياسية الطويلة لا تعفي صاحبها من مسؤولية الكلمة، بل تجعل هذه المسؤولية أكبر وأثقل وأكثر تأثيراً في الرأي العام. فالمسألة لا تتعلق بحق الاختلاف في الرأي أو قراءة التاريخ من زوايا متعددة، وإنما بضرورة إدراك أن بعض الموضوعات الوطنية تتطلب أعلى درجات الدقة والحذر في التعبير عنها.

فالدول لا تحتاج فقط إلى أصحاب الخبرة والكفاءة، بل تحتاج أيضاً إلى خطاب وطني رصين يحمي الوعي العام ويعزز الثقة ويبتعد عن كل ما قد يثير الالتباس أو يفتح أبواب الجدل غير الضروري، لأن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بما يحمله الإنسان من مناصب في تاريخه، بل بقدرته على إدراك أثر كلماته على وطنه ومجتمعه في كل مرحلة من مراحل حياته العامة. فالكلمات قد تُنسى أحياناً، لكن آثارها في الوعي العام قد تبقى لسنوات طويلة.

Share This Article