مفاعل أردني مهجن شمسي–فراغي.. هل يكون «الخطة B» الاستراتيجية للمياه في الأردن؟

7 د للقراءة
7 د للقراءة
مفاعل أردني مهجن شمسي–فراغي.. هل يكون «الخطة B» الاستراتيجية للمياه في الأردن؟

صراحة نيوز – في وقت تتسارع فيه تحديات الأمن المائي وتزداد المخاوف العالمية من الآثار البيئية للمحاليل الملحية الناتجة عن مشاريع التحلية التقليدية، يأتي طرح أردني جديد يجمع بين تقنيتين وطنيتين متقدمتين في محاولة لتقديم نموذج مختلف لتحلية المياه وإدارة الراجع الملحي، قد يشكل مستقبلاً «الخطة B» الاستراتيجية للمملكة في مواجهة أي طارئ مائي أو تشغيلي.

ويقوم المقترح على تهجين تقنية التحلية والاستخلاص بالفراغ ذات الاسترداد المرتفع للمياه والموارد، والتي يعمل على الترويج لنقلها وتطوير تطبيقاتها في الشرق الأوسط وشرق آسيا المهندس هشام الزرعيني، مع المفاعل الشمسي الحراري عالي الكفاءة الذي ابتكره العالم الأردني الأستاذ الدكتور أيمن المعايطة، في منظومة متكاملة تستهدف إنتاج المياه العذبة والطاقة الحرارية وإدارة الأملاح المستخرجة ضمن نموذج «صفر براين» أو «صفر تصريف سائل».

من التحلية إلى استرداد الموارد:
الفكرة الأساسية لا تنظر إلى مياه البحر باعتبارها مصدراً للمياه فقط، بل كمصدر للمياه والموارد المعدنية في الوقت نفسه.

وتعتمد تقنية الاستخلاص بالفراغ على فصل المياه عن الأملاح والمعادن والمواد الذائبة ضمن ظروف تفريغ محكومة، بما يحقق استرداداً للمياه يتجاوز 99%، مع تحويل الأملاح والمواد الذائبة إلى منتجات صلبة جافة قابلة للاستفادة أو الإدارة الآمنة، بدلاً من إنتاج محاليل ملحية مركزة يتم تصريفها إلى البحر كما هو الحال في معظم أنظمة التحلية التقليدية.

ويعني ذلك عملياً أن كل متر مكعب من المياه الداخلة يتحول إلى مياه عالية النقاء ومواد صلبة قابلة للاستثمار، دون وجود تيار نفايات سائلة يحتاج إلى التخلص منه.

أين يأتي دور المفاعل الشمسي الأردني؟
الجانب الأكثر أهمية في المقترح يتمثل في توفير مصدر حراري منخفض الكلفة وعالي الكفاءة لتشغيل عمليات الفصل والاستخلاص.

ويتميز المفاعل الشمسي الحراري الذي ابتكره الأستاذ الدكتور أيمن المعايطة بقدرته على تركيز أشعة الشمس آلاف المرات، وإنتاج درجات حرارة مرتفعة قابلة للتخزين والتشغيل المستمر، مع احتياج لمساحات أقل بكثير من الأنظمة الشمسية التقليدية، إضافة إلى قدرته على توفير الطاقة الحرارية اللازمة للتطبيقات الصناعية وتحلية المياه بكفاءة عالية وعلى مدار الساعة.

هذا التكامل بين الطاقة الشمسية الحرارية وتقنيات الفصل بالفراغ يفتح الباب أمام تشغيل محطات التحلية والاستخلاص على مدار الساعة، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي أو الكهرباء مرتفعة الكلفة، وهو ما يعد أحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه مشاريع التحلية عالمياً.

هل يمكن أن يكون حلاً لمعضلة البراين؟
أحد أبرز الأسئلة التي تواجه مشاريع التحلية في المنطقة يتعلق بمصير المحلول الملحي المركز (Brine)، الذي يعاد في كثير من الأحيان إلى البحر بعد رفع ملوحته وتركيز عناصره.

المقترح الأردني يسعى إلى تجاوز هذه المعضلة بالكامل عبر منع وصول البراين إلى البيئة البحرية أساساً، وتحويله إلى أملاح ومعادن ومنتجات صلبة يمكن تخزينها أو الاستفادة منها اقتصادياً.

وفي حال نجاح هذا النموذج على النطاق التجاري، فإنه قد يقدم حلاً بيئياً مهماً يحمي خليج العقبة والأنظمة البحرية الحساسة من التأثيرات التراكمية لتصريف المحاليل الملحية مستقبلاً.

أكثر من مشروع تحلية…
منصة بديلة للطوارئ والتوسع المستقبلي
وتكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للمقترح في أنه لا يقدم مجرد محطة تحلية جديدة، بل يطرح إمكانية بناء منظومة وطنية مرنة يمكن أن تعمل بالتوازي مع المشاريع القادمة أو أن تتوسع تدريجياً لتحل محل أي نظام تحلية تقليدي عند الحاجة أو في حالات الطوارئ.

ففي حال نجاح دمج تقنية التحلية بالفراغ مع المفاعل الشمسي الأردني، فإن المملكة ستكون أمام نموذج قادر على إنتاج المياه بطاقة شمسية منخفضة الكلفة، مع انبعاثات كربونية شبه معدومة، ودون أي تصريف للمحاليل الملحية أو آثار بيئية بحرية تذكر.

كما أن الطبيعة المعيارية للوحدات المقترحة تتيح تنفيذ المشاريع خلال فترات أقصر مقارنة بالمشاريع المركزية الضخمة، مع إمكانية التوسع المرحلي وفق الحاجة الفعلية، وبمساحات أرض أقل، وكلف رأسمالية وتشغيلية قابلة للتحكم بشكل أفضل.

ويرى مهتمون بالقطاع أن هذه المعادلة قد تفتح مستقبلاً المجال أمام توفير المياه المحلاة بكلف أكثر استقراراً وقبولاً للمواطن والاقتصاد الوطني، خصوصاً إذا تم استثمار الطاقة الشمسية المحلية واسترداد الأملاح والموارد المصاحبة للعملية بدلاً من التعامل معها كنفايات.

خطة B وطنية
ويرى مختصون أن أهمية الفكرة لا تكمن فقط في كونها مشروع تحلية جديد، بل في إمكانية تطويرها كمنظومة احتياطية وطنية مرنة قابلة للتوسع المرحلي.

فبدلاً من الاعتماد على مشروع مركزي واحد، يمكن نشر وحدات معيارية موزعة جغرافياً بالقرب من مصادر المياه أو المناطق الصناعية أو المواقع الاستراتيجية، مع إمكانية زيادة الإنتاج تدريجياً بحسب الحاجة.

كما يمكن استخدام المنظومة لمعالجة المياه الصناعية عالية الملوحة، واسترداد المعادن والأملاح، ودعم مشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء مستقبلاً، ما يمنحها بعداً اقتصادياً وصناعياً يتجاوز قطاع المياه وحده.

مبادرة وطنية أمام القيادة:
ويأتي هذا الطرح ضمن حزمة مبادرات وطنية تبناها منتدى الابتكار والتنمية الأردني الذي أسسه البروفيسور محمد الفرجات، حيث تم رفع الفكرة اليوم إلى جلالة الملك ضمن وفد المبادرات الوطنية الذي قدم كذلك مبادرتي «عجائب الأردن السبع» لتنشيط السياحة الوطنية والعالمية، و«عمدة المناخ للمدن الأردنية» الهادفة إلى تعزيز التحول نحو الحياد الكربوني في المدن الأردنية.

وجرى عرض المبادرات أمام رئيس الديوان الملكي العامر، ضمن جهود المنتدى لتقديم حلول وطنية مبتكرة في قطاعات المياه والطاقة والسياحة والتنمية المستدامة، بتنسيق من مؤسس المنتدى الأستاذ الدكتور محمد الفرجات، ورئيس الوفد الذي زار الديوان العامر الوزير الأسبق أسامة الدباس، والنائب الطبيب العميد المتقاعد عمر الخوالد والسيدة جمانا حسان/ هولندا.

بين الطموح والاختبار:
ورغم أن أي تقنية جديدة تحتاج إلى المرور بمراحل التحقق الهندسي والاقتصادي والتشغيلي على أرض الواقع، فإن ما يلفت الانتباه في هذا الطرح هو اعتماده على دمج خبرات وطنية وأفكار تقنية متقدمة في مجالي الطاقة والمياه ضمن رؤية واحدة تستهدف تحويل تحدي المياه إلى فرصة تنموية واقتصادية، والمنلكة إلى دولة مصدرة لحلول وتكنولوجيا التحلية، بعد تنمية المعرفة والخبرات المحلية.

وفي ظل التحديات المائية غير المسبوقة التي تواجه المملكة، فإن تطوير «مفاعل التحلية المهجن الشمسي–الفراغي» قد لا يكون مجرد مشروع تقني جديد، بل خطوة نحو بناء خيارات استراتيجية إضافية تعزز أمن الأردن المائي، وتحمي البيئة البحرية، وتخفض البصمة الكربونية، وتمنح صناع القرار بدائل وطنية جاهزة للتعامل مع المستقبل بثقة أكبر.

ويبقى السؤال المطروح أمام الخبراء وصناع القرار: هل يمكن أن تتحول هذه الفكرة إلى الخطة B الأردنية التي تؤمن المياه وتحمي البيئة وتخلق قيمة اقتصادية في آن واحد؟

Share This Article