مسؤولونا .. ومسؤوليهم (( قصة وعِبرة ))

8 د للقراءة
8 د للقراءة
مسؤولونا .. ومسؤوليهم (( قصة وعِبرة ))

صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة

القراء الكرام ، ارجو ان تسمحوا لي ان أنقل لكم هذه القصة ، كما وصلتني حرفياً ، والغاية منها ( المقارنة ) بين كبار المسؤولين في أقطارنا العربية ، مع كبار المسؤولين في الغرب ، (( نقلاً حرفياً مع أخطاء الصياغة )) :—
[[ يقول رئيس النمسا الأسبق / توماس كليستيل : أسكن من أربعين عاماً في شقة في الحي الرابع في فيينا . كانت تجمعني وزوجتي علاقة حميمة مع كل جيراني في العمارة . كنا نتبادل الزيارات والتحية كلما نتقابل على المصعد ، او في مدخل العمارة ، ونتحدث عن الأولاد ، والسياسة ، والحالة الإجتماعية ، وخبر الساعة .
بعد ان أصبحت رئيساً للنمسا ، وجدت تغيراً في علاقة جيراني بي .
العلاقة اصبحت فاترة . لو القى أحدهم التحية ، يلقيها وهو لا ينظر اليك . واذا القيت انا التحية أكاد أسمع رداً همساً .
إستمر الحال على هذا الوضع شهرين ، ومن كل السكان جيراني بلا إستثناء . إنتابتني الحيرة ، وسألت زوجتي : هل هناك ما يستدعي هذا التجاهل ؟ هل فعلنا شيئاً يُغضب جيراننا ؟ هي لم تجد جواباً لسؤالي . فقررت ان آخذ المبادرة ، وطرقت باب جاري ، ولم يعطني جواباً ، وطرقت على الثاني ، نفس الجواب . وأنا في حيرة : ما بال الناس قد تغيرت نفوسهم من ناحيتي ؟ رجعت الى شقتي وأنا في حيرة .
وطرق بابي في اليوم الثالث المسؤول عن العمارة ، يدعوني لإجتماع للسكان كلهم ، لأمرٍ هام . وجدت الدعوة فرصة لفتح الموضوع مع الجميع ، لماذا يعاملوني بهذا الجفاء ؟
وإذ بجارتي الأرملة تقول : أنا سأقول لك بصراحة : كنا قبل ما تصبح رئيساً ، نعيش في هدوء ، لا سيارات ، ولا حرس ، ولا أصوات سيارات الأمن ، ولا تفتيش ، ولا غلق للشارع ، كانت حياتنا سهلة ، والآن نحن نعيش معك المأساة . هذا ما يجعلنا لا نريد ان نتعامل معك ، لأنك تسببت لنا في مضايقات ، واليوم (( قررنا ان نرفع ضدك قضية بالطرد من السكن )) ، إن لم تعيد حياتنا كسابقها .
قال الرئيس الأسبق في حواره مع التلفزيوني : خرجت وأنا كلي أسف ، واعتذرت لهم لعدم إهتمامي بجيراني ، ووعدتهم ان أكون محلّ ثقتهم في ان أكون جاراً لهم . وعلى الفور إتصلت برئيس حراستي ان يُخلي الشارع من الحراسة ، وان لا تصحبني الا سيارتي وحارس واحد ، بلا أضواء ، ولا أصوات ، وان يُسحب الحارس المتواجد في مدخل العمارة . وتعهدت له أني مسؤول مسؤولية شخصية عن سلامتي لو حدث مكروه .
ويستطرد الرئيس ويقول : بعد يومين من هذا عادت الإبتسامة الى جيراني ، وعادت معهم المودة ]].
تعليق يتبع النص :— هؤلاء هم من إنتخبهم الشعب ، فهم أفراد منه ، عملهم هو خدمة للشعب ، وتسهيل حياته ، لا التضييق عليه . (( منقول بحرفية )) .

أولاً : — تصوروا انه أصبح رئيساً للنمسا ، ولم ينتقل للعيش في قصر .
ثانياً :— انه مكث في شقته التي يسكنها منذ ( ٤٠ ) عاماً ، اي قبل توليه الرئاسة بأربعة عقود من الزمن .
ثالثاً :— مع انه أصبح رئيساً للنمسا ، الا انه إستمر في حرصه على استمرار علاقاته مع جيرانه ، ولم يتعالى عليهم .
رابعاً :— نتيجة لسواد العدل ، وانتشار العدالة والمساواة ، لم يتقرب منه جيرانه ولم يتوددوا له لكسب واسطة هنا ، او خدمة هناك ، لأن خدماتهم تصلهم على أكمل وجه دون اي تدخل من اي طرف . يضاف الا ذلك ان هناك تساوٍ للفرص ، ولا حاجة للوساطة او التعرف على الرئيس لتحصيل مكسب معين ، لإن حق المواطن يأتيه بإنصاف دون الحاجة لأية معرفة او وساطة .
خامساً :— لاحظوا التواضع الشديد ، حيث لم يتغير سلوكه ، ولم يتغير تعامله بمجرد انه أصبح رئيساً للبلاد .
سادساً : — تمت دعوته لإجتماع سكان العمارة كما غيره ، دون اي تمييز .
سابعاً :— والأدهى ، والأغرب انهم ابلغوه بأنهم سوف يقيمون دعوى عليه لطرده من العمارة إذا لم يُعِد حياتهم كما كانت .

هكذا هم في الغرب ، لكن تصوروا لو ان ذلك حصل في اي قطرٍ من أقطارنا العربية ؟ حيث ستكون الخطوة الأولى الإنتقال للعيش في قصر ، والتنقل بين عدة قصور . يتبعها الترفع عن التعامل مع الجيران ، ونسيان منطقة سكناه الأولى ، ولأنه أصلاً لن يعود اليها ، فقد إنتقل الى عالمٍ آخر . يتبع ذلك التعالي على الجيران ، وتهافت الجيران عليه للتقرب منه ، لاختزال الإجراءات المطلوبة للخدمات والتعيينات والترقيات ، هذا عدا عن التنفيعات ، والمناقصات ، والعطاءات ، إضافة للهِبات ، والاعطيات ، والإسترزاق من الرئيس ، واعتبار فترة رئاسته للدولة (( مشمشية )) يجب إقتناصها للتكسب ، والتنفع ، والتفاخر بالتقرب من الرئيس .

ليتنا نقتبس من الغرب النافع ، والمفيد لأوطاننا . لنستعيد ما فقدنا مما كنا نحرص عليه ونتمسك به بفخرٍ وإعتزاز . أفضل من ان نتقرب بِذِلّةٍ ، وخنوعٍ ، وخضوعٍ ، وتبعية ، تُلغي ما تبقى من شذرات لما كنا نتمسك به من كرامة ، وأنفة ، وعِزّة ، وكبرياء .

أعرف ان ما أدعو اليه ، أصبح بمفاهيم من أدمنوا التزلف ، والتذلل ، يعتبر أسلوباً مستغرباً ، ومستهجناً ، بل انه أصبح من دلائل التخلف ، والتحجر ، والإنغلاق ، والجمود .

ليتنا نتذكر أسلافنا من قادتنا ، ورموزنا الأجلاء . ليتنا نستذكر سيدنا / عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ، وقصته مع القائد الفارسي وملك الأهواز ، في عهد الإمبراطورية الفارسية / الهرمزان ، عندما تم أسره ، وجيء به أسيراً الى المدينة المنورة في فترة خلافة سيدنا / عمر بن الخطاب ، حيث بحث الحراس عن سيدنا عمر ، ليأخذوا / الهرمزان اليه ، ووجدوا سيدنا عمر ، الذي يحكم نصف العالم ، نائماً على الأرض تحت شجرة ، متوسداً ردائه ، وليس حوله لا حرس ولا جنود ليحمونه ، فقال الهرمزان عبارته المشهورة : (( حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر )) .

دون مبالغة ، ودون تردد إنني أرى في بعض حُكام الغرب شيئاً من عدل وتواضع سيدنا عمر رضي الله عنه ، وان بعضهم أقرب له من أبناء جلدته ودينه من العرب .

قصة وعبرة حضارية ، حقيقية ، علّنا نعتبر ، ونتقي الله في انفسنا ، وفي بعضنا .
المسؤولون في الغرب من الشعب وإليه . والمسؤولون العرب كانوا منا ، وابتعدوا عنا ، وتغيروا علينا ، وتنصلوا منا ، وترفعوا عنا ، ونبذونا ، وأصبحوا هم الخاصة ، ونحن العوام ، والعامة ، او ربما ( الهوام ) .

وأختم بما قاله الشاعر / إبن الوردي :— حيث يحذر من اغترار المسؤول بالكرسي ، ويقول :—
لا تغترَ بالجاهِ تطلبُ رِفعةً
فالعز ِّفي بحرِ القناعةِ يَكمُنُ
واقنع بما تُرزق فكُلُّ مُعجّلٍ
في الرزقِ عند اللهِ سوف يبينُ .

شارك هذا المقال