صراحة نيوز – بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا
العفو العام ليس منحةً تُوزَّع لإرضاء الشارع، ولا وسيلةً لطيّ الملفات كلما ارتفعت الأصوات المطالبة به. إنه استثناءٌ تشريعي لا يُلجأ إليه إلا عندما تقتضي المصلحة الوطنية العليا ذلك، وبما لا يمس هيبة الدولة، ولا ينتقص من سيادة القانون، ولا يهدر حقوق الضحايا.
إن الدولة القوية لا تُبنى بكثرة العفو، وإنما بثبات العدالة. فالقانون يفقد هيبته عندما يصبح المخالف أو المجرم على يقين بأن العقوبة قد تُمحى بقرارٍ لاحق، فيتراجع الأثر الرادع للعقوبة، وتضعف الثقة بمنظومة العدالة، ويترسخ لدى البعض أن الإفلات من العقاب ليس مستحيلاً، وإنما مسألة وقت.
لقد وُجدت العقوبات لحماية المجتمع وصيانة أمنه واستقراره، لا للانتقام من أحد. كما شُرع العفو ليكون استثناءً محدودًا يخدم المصلحة العامة، لا قاعدةً متكررة تُفرغ الأحكام القضائية من مضمونها. فالقاضي يصدر حكمه بعد تحقيقات دقيقة، وأدلة، وضمانات قانونية، ولا يجوز أن تتحول تلك الجهود إلى مجرد محطة مؤقتة بانتظار عفو جديد.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصدق هو: ماذا نقول لذوي الضحايا، ولمن انتهكت حقوقهم، ولمن التزموا بالقانون وتحملوا مسؤولياتهم، عندما يرون أن من خالف القانون قد يُعفى دون معيار واضح أو مبرر استثنائي؟ إن العدالة لا تتحقق بالنظر إلى الجاني وحده، بل بالنظر أيضًا إلى الضحية، وإلى المجتمع، وإلى حق الدولة في فرض سيادة القانون.
وفي المقابل، فإن العدالة الرشيدة لا تُغلق باب الإصلاح. فهناك مخالفات وجنح قد تستوجب منح فرصة جديدة لمن ثبتت استقامته، شريطة ألا يكون في ذلك مساس بحقوق الأفراد أو بأمن المجتمع أو بثقة الناس بالقضاء. فالرحمة قيمة عظيمة، لكنها لا تكون على حساب العدالة، ولا على حساب هيبة الدولة.
إن تكرار قوانين العفو العام دون ظروف استثنائية يبعث برسالة سلبية مفادها أن العقوبة مؤقتة، وأن انتظار العفو قد يكون أجدى من احترام القانون. وهذه رسالة خطيرة تُضعف الردع، وتشجع على التهاون، وتضر بصورة الدولة ومؤسساتها.
لذلك، فإن أي عفو عام يجب أن يكون محدودًا، ومدروسًا، ومنضبطًا بضوابط قانونية دقيقة، وأن يستثني الجرائم التي تمس أمن الوطن، والجرائم الواقعة على الأرواح، وجرائم الفساد، والاعتداء على المال العام، والحقوق الشخصية، وكل ما من شأنه أن يزعزع ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد من تعفو عنهم، بل بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة، وحماية الحقوق دون تمييز، وترسيخ مبدأ أن الجميع سواء أمام القضاء. فالعدل هو أساس الملك، وسيادة القانون هي الركيزة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وأي تشريع لا يعزز هذين المبدأين يجب أن يُراجع بعناية ومسؤولية.
إن العفو الذي يستحق الاحترام هو العفو الذي يحقق المصلحة الوطنية، ويحافظ على هيبة القضاء، ويصون حقوق الضحايا، ويمنح الفرصة لمن يستحقها وفق معايير واضحة وعادلة. أما العفو الذي يُضعف الردع أو يهز ثقة الناس بالقانون، فإنه لا يخدم الدولة، بل يفتح بابًا للتشكيك في منظومة العدالة بأكملها.
فالدول تُبنى بالعدل، وتستقر بسيادة القانون، وتبقى قوية عندما يكون القانون فوق الجميع، لا عندما يصبح الاستثناء هو القاعدة.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليبقى وطنًا عزيزًا، تسوده العدالة، وتعلو فيه راية القانون، وتبقى هيبة الدولة مصونةً فوق كل اعتبار.
العفو العام… بين هيبة الدولة وسيادة القانون

