صراحة نيوز- ا د. كامل محادين
ليست قيمة الإنسان بما يملكه من حضورٍ ظاهري، ولا بما يحيط به من ضجيجٍ أو كثرةٍ من المؤيدين، وإنما بما يحمله من أخلاق، وما يتركه من أثر في نفوس الآخرين. فالأخلاق هي الهوية الحقيقية التي تبقى حين تزول المظاهر، والمواقف هي المحك الذي يكشف جوهر الإنسان.
يشبه بعض الناس الصبار؛ قد يبدو قاسيًا بشوكه، لكنه قادر على أن يُزهر في أقسى الظروف. وكذلك البشر، فقد تحمل بعض القلوب جمالًا لا يظهر إلا عند الاختبار، بينما تكشف الأيام أن بعض المظاهر لا تعكس دائمًا حقيقة النفوس.
إن المواقف وحدها هي القادرة على كشف معادن الناس. ففي لحظات الشدة يظهر الصادق من المتلون، ويُعرف الوفي من صاحب المصلحة
وتظهر حقيقة من يقف إلى جانبك لا بالكلمات، بل بالفعل والموقف.
ومن أكثر ما يفسد العلاقات الإنسانية نقل الكلام بين الناس، فالكلمة أمانة، واللسان مسؤولية. كم من خلافٍ بدأ بحديث منقول، وكم من علاقةٍ انتهت بسبب همسة لم تُراعِ حرمة القلوب. ومن اعتاد نقل كلام الآخرين، فقد يجعل من نفسه يومًا ناقلًا للكلام عنك، لذلك كان حفظ اللسان من علامات الحكمة ونبل الأخلاق.
إن النفوس الكبيرة لا تجد راحتها في الإساءة، ولا تجعل من أخطاء الآخرين مبررًا لسوء التصرف. أما من يتخذ النميمة والإيذاء أسلوبًا، فإنه يكشف عن ضعف داخلي قبل أن يؤذي غيره. فالإحسان لا يقابله إلا أصحاب النفوس الكريمة، والجميل لا يحفظه إلا أهل الوفاء.
وقد يظن البعض أن القوة في الكثرة، وأن الهيبة تُصنع بالضجيج، لكن الحقيقة أن الإنسان القوي هو من يمتلك ثبات المبدأ، ويستطيع أن يسير في طريق الحق ولو قلّ السائرون معه. فالقيمة ليست في عدد الأشخاص حول الإنسان، بل في قوة ما يحمله من مبادئ.
وعندما تضيق الدنيا، ويثقل القلب بما لا
يستطيع حمله، يبقى الرجوع إلى الله هو السكينة الكبرى، فهو سبحانه القائل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. ففي الإيمان طمأنينة، وفي الصبر قوة، وفي الثقة بالله نور يبدد عتمة الأيام.
إن الهيبة ليست منصبًا ولا مظهرًا، بل هي أخلاق وكرامة نفس وسيرة طيبة. هناك أشخاص يدخلون المجالس فتسبقهم سمعتهم الحسنة، ويُحترمون قبل أن يتحدثوا، لأنهم يحملون صفات الكبار: الحكمة، والصدق، والعدل، وحسن التعامل.
ويبقى الإنسان في النهاية بما يزرعه في قلوب الآخرين، لا بما يجمعه من أشياء زائلة.
فالأيام تمضي، والمواقف تبقى، والأخلاق هي الشهادة التي لا تسقط بالتقادم.

