صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي
في ظل ما تمر به المنطقة من تحديات سياسية واقتصادية وإقليمية متشابكة، تزداد الحاجة إلى المبادرات المجتمعية التي تعيد الاعتبار إلى قيم الحوار والتواصل، وتوسّع مساحات التفاهم بين أبناء الوطن الواحد. ومن هذا المنطلق، تكتسب مبادرة الدكتور عوض خليفات للمؤاخاة الوطنية أهمية خاصة، لأنها تنطلق من إدراك واضح بأن قوة الدولة لا تقوم على مؤسساتها الرسمية وحدها، بل تستند كذلك إلى مجتمع متماسك، قادر على تجاوز خلافاته والالتقاء حول الثوابت الوطنية والمصالح العليا للدولة.
وتأتي هذه المبادرة في توقيت تتعرض فيه المجتمعات لضغوط سياسية وإعلامية واقتصادية متزايدة، بالتوازي مع تحولات إقليمية متسارعة تلقي بظلالها على دول المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود تعزيز الجبهة الداخلية مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل يصبح ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، ومنع الاختلاف الطبيعي في الرأي من التحول إلى حالة من التباعد أو الانقسام.
وتقوم المبادرة على جمع شخصيات سياسية واجتماعية وثقافية وعشائرية من اتجاهات وخلفيات متعددة، في لقاء هدفه التواصل وتبادل الأفكار والرؤى حول القضايا الوطنية. وهذه الصيغة تحمل رسالة مهمة مفادها أن التنوع داخل المجتمع الأردني ليس مصدر ضعف، بل يمكن أن يكون عنصر قوة إذا جرى التعامل معه ضمن إطار من الاحترام المتبادل والحرص على المصلحة الوطنية.
فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف يمس وحدة المجتمع أو يضعف نسيجه الداخلي. وعلى العكس من ذلك، يمكن للحوار المسؤول أن يجعل من هذا الاختلاف رافدًا لتطوير الأفكار وتصويب المواقف وتعزيز الوعي بالتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. وهنا تبرز أهمية المبادرات التي توفر مساحة آمنة وهادئة للاستماع والنقاش، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي أو الاصطفافات الحزبية والحسابات الشخصية الضيقة.
ولا تنفصل فرص نجاح هذه المبادرة عن شخصية صاحبها؛ إذ يمتلك الدكتور عوض خليفات خبرة سياسية ووطنية واجتماعية طويلة، اكتسبها من مسيرة حافلة في العمل العام، ومن معرفة واسعة بطبيعة المجتمع الأردني وتوازناته وحساسياته. كما عُرف عنه سعة الصدر، والنفس الطويل، والقدرة على الاستماع إلى مختلف الآراء والتعامل معها بهدوء ومسؤولية، وهي صفات ضرورية لأي شخصية تسعى إلى جمع الناس وتقريب وجهات النظر بينهم.
وما يحظى به الدكتور عوض خليفات من احترام ومحبة وقبول لدى شرائح اجتماعية وسياسية وعشائرية متعددة يشكل رصيدًا مهمًا للمبادرة. فالناس لا تتفاعل مع المبادرات بسبب شعاراتها وحدها، وإنما تنظر أيضًا إلى شخصية من يطلقها، ومدى صدقه ومصداقيته وقدرته على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. ومن هذه الزاوية، يمتلك الدكتور عوض خليفات ما يؤهله لأن يكون مظلة جامعة، وأن يحول الاختلاف بين المشاركين إلى حوار بنّاء بدل أن يكون سببًا للخصومة أو التباعد.
كما أن اختيار مدينة وادي موسى لاستضافة اللقاء يحمل دلالة وطنية ورمزية مهمة؛ فهو يؤكد أن الحوار الوطني لا ينبغي أن يبقى محصورًا في العاصمة أو في الصالونات السياسية المغلقة، بل يجب أن يمتد إلى مختلف محافظات المملكة. فالأردن لا يُبنى من مركز واحد، وإنما بتكامل أدوار مدنه وقراه وبواديه ومخيماته، وبمشاركة جميع أبنائه في صياغة رؤيته الوطنية وتعزيز وحدته الداخلية.
ويمثل حضور المجتمع المحلي وعشائر بني ليث في هذه المبادرة عنصرًا مهمًا في نجاحها؛ لأن المؤاخاة الوطنية لا تُصنع بقرارات إدارية، بل تنمو من خلال التواصل المباشر بين الناس، ومن خلال قيم الكرم والتكافل والتراحم التي شكلت جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع الأردني. وعندما تتحول هذه القيم إلى مبادرات منظمة ومستمرة، فإنها تصبح قوة اجتماعية تسند مؤسسات الدولة وتدعم استقرارها.
ومع ذلك، فإن نجاح المبادرة لا ينبغي أن يُقاس بعدد الحضور، أو بحجم التغطية الإعلامية، أو بما يقال من كلمات خلال اللقاء. المعيار الحقيقي هو ما ستتركه المبادرة بعد انتهاء المناسبة: هل ستنتج أفكارًا قابلة للتنفيذ؟ وهل ستتحول إلى لقاءات دورية تشمل محافظات أخرى؟ وهل ستتمكن من إشراك الشباب والنساء والنخب الثقافية والاجتماعية في برامج تعزز المواطنة والانتماء والتكافل؟
ولضمان الاستمرارية، يمكن أن تنبثق عن المبادرة لجنة متابعة تعمل على تنظيم لقاءات دورية، وصياغة توصيات عملية، وإطلاق أنشطة اجتماعية وثقافية وشبابية مشتركة. كما يمكن توسيعها لتشمل حوارات حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطنين، بحيث لا تبقى المؤاخاة مفهومًا معنويًا فقط، بل تتحول إلى تعاون ملموس ومبادرات تخدم المجتمع وتخفف من مشكلاته.
ويمتلك الأردن رصيدًا تاريخيًا راسخًا من التلاحم بين القيادة والشعب، وقد أثبت في محطات متعددة أن وحدته الداخلية كانت دائمًا مصدر قوته وقدرته على تجاوز الأزمات. وفي ظل القيادة الهاشمية، حافظ الأردنيون على هويتهم الوطنية الجامعة، رغم تنوع أصولهم ومنابتهم واختلاف اجتهاداتهم ومواقفهم. ولذلك، فإن أي مبادرة تعزز هذه الروح وتحصّن الجبهة الداخلية تستحق الدعم والاهتمام، ما دامت تنطلق من الثوابت الوطنية وتعمل بروح المسؤولية والشراكة.
وفي المحصلة، تبدو مبادرة الدكتور عوض خليفات مؤهلة للنجاح، ليس فقط لما تحمله من أهداف وطنية نبيلة، بل أيضًا لما يتمتع به صاحبها من خبرة وحكمة وقبول اجتماعي وسعة صدر ومحبة للناس. غير أن نجاحها الحقيقي سيبقى مرتبطًا باستمراريتها، وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، وتحويل لقاءاتها إلى برامج عملية تعزز المؤاخاة والتكافل والثقة بين الأردنيين.
وبذلك لا تبقى المبادرة مجرد لقاء عابر ينتهي بانتهاء المناسبة، بل تتحول إلى مسار وطني مستدام يقوده رجل يؤمن بأن وحدة الأردنيين وتماسكهم هما أساس قوة الدولة. وعندها يمكن القول إن الدكتور عوض خليفات لم يطلق مبادرة اجتماعية فحسب، بل أعاد فتح مساحة وطنية يحتاجها الأردنيون للحوار والتقارب، وللتأكيد على أن اختلافهم في الرأي لا يمكن أن يكون أكبر من اتفاقهم على الأردن.

