صراحة نيوز- رامي المشاقبة يكتب
ليست كل القوانين تُكتب لتحمي، ولا كل التشريعات تُسن لتصلح.
فحين يفقد القانون بوصلته، ويتحول من مظلة تحفظ الأسرة إلى فأس تكسرها، يصبح الصمت شراكة في الجريمة، وتغدو مراجعة التشريع فرضاً لا يقبل التأجيل.
فالأسرة ليست مجرد عقد بين زوجين، بل هي الركن الذي يقوم عليه المجتمع كله. وإذا تصدع هذا الركن، فلن يبقى من الوطن بناء يصمد.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فإذا غابت المودة والرحمة، غاب السكن، وضاع معنى الأسرة.
ما عاد الخطب هيناً، ولا العيب مستوراً. فقد بلغت عورات قانون الأحوال الشخصية الأردني مبلغاً جعل البيت يتصدع من أساسه، والأسرة التي كانت حصن المجتمع تتهاوى لبنة بعد لبنة.
قانون وُجد ليصون المودة ويحفظ العشرة، فانقلب بتطبيقاته وتعديلاته المتتالية إلى أداة خصومة، وإلى جسر عبور تعبر عليه المنظمات والدعوات المستوردة لفرض رؤاها على نسيجنا الاجتماعي.
إن جوهر الأزمة هو انسلاخ هذا القانون عن مرجعيته الشرعية الحقيقية، ورضوخه لإملاءات خارجية لا تفقه مقاصد الشريعة في حفظ الدين، وصيانة الأعراض، وحماية الأنساب، وحفظ النسل، وإقامة الأسرة على السكن والمودة والرحمة.
فامتزجت نصوص ذات صبغة وضعية بمسحة شرعية شكلية، فخرج لنا تشريع هجين، لا هو حكم رباني خالص، ولا هو قانون وضعي متسق.
وكان لهذا الامتزاج أثر مباشر في تأجيج النزاع داخل البيت، وتوسيع هوة الخلاف بين الزوجين، حتى غدا القانون في كثير من تطبيقاته سبباً في إضعاف الأسرة بدل ترسيخ أركانها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توالت متغيرات تشريعية مستوردة لا تصلح لمجتمعاتنا، بل زادت الخراب، وفتحت أبواب الجرائم الأسرية والتفكك على مصاريعها.
قوانين فُرضت باسم التحديث، فكانت معول هدم، ورُوج لها باسم الحقوق، فإذا بها سبب في ضياعها.
ولأن النتائج لا تنفصل عن أسبابها، جاء التضليل الإعلامي والتقاريري ليزيد المشهد ضبابية.
فتقارير المجلس الأعلى للسكان وغيره تصر على تحميل “الظروف الاقتصادية” وحدها مسؤولية عزوف الشباب عن الزواج، وتتعمد تجاهل أصل الخلل الذي يبدأ من القانون نفسه.
نعم، الفقر عائق، ولكن أي شاب يقدم على بيت يعلم أنه قد يُسلب منه، وأن أبناءه قد يُنتزعون، وأن النفقات ستلاحقه وهو مهجور؟
وأي عاقل يغامر بزواج أصبحت تبعاته أثقل من قدرته على الاحتمال؟ فالمشكلة ليست في جيب الشاب وحده، بل في تشريع جعل الزواج مخاطرة يخشاها العقلاء.
والدليل على انهيار المنظومة أرقام رسمية تصرخ ولا أحد يسمع.
تجاوزت حالات الطلاق قبل الدخول ثلاثين ألف حالة، وارتفعت معدلات الطلاق السنوية إلى مستويات تنذر بخطر داهم على بنية المجتمع.
وفي المقابل، قفزت أرقام العنوسة إلى مشهد لا يمكن تجاهله ولا تبريره.
أي منطق يقبل أن تنتهي عقود الزواج قبل أن تبدأ؟ وأي قانون سليم ينتج هذا الخراب؟ هذا وحده شهادة دامغة أن الزواج تحول من “ميثاق غليظ” إلى صفقة مؤقتة تبرم اليوم وتلغى غداً.
ومن أبرز تجليات هذا الخلل ما يواجهه الشاب الأردني المقبل على الزواج. يدخل الحياة الزوجية باحثاً عن السكن والاستقرار، فإذا به يرزح تحت أعباء مالية باهظة والتزامات لا تنتهي، بينما تُفرغ القوامة التي جعلها الله تكليفاً وأمانة من مضامينها. يدخل البيت طامحاً إلى بنائه، ثم يخرج منه مثقلاً بالديون ومحروماً من أبنائه.
ولذلك لم يكن غريباً أن يعزف كثير من الشباب عن الزواج، وأن يروا في العزلة أهون من الوقوف على أبواب المحاكم.
ولم يتوقف الخلل عند هذا الحد، بل تعداه إلى ترسيخ ثقافة الطلاق وتسويقها، حتى غدا الانفصال في أغلب الحالات أقرب من الإصلاح. ويبرز ذلك في تطبيقات “الشقاق والنزاع” التي تحولت من وسيلة استثنائية لحماية الأسرة إلى طريق ممهد لإنهاء العلاقة الزوجية على أتفه الأسباب.
والأخطر أنها منحت الفتاة دافعاً مباشراً لطلب الطلاق، لأنها ضمنت لها مكاسب فورية بلا تبعة.
فأصبح الوصول إلى القضاء أقصر من طريق الصلح، وغدا هدم الأسرة أيسر من ترميمها، لأن القانون كافأ من يهدم، ولم يضمن بيتاً واحداً يبقى.
ومن صور العبث الصارخ أن القانون أصر على فرض النفقة حتى على الزوجة الناشز المقيمة في بيت أهلها، الرافضة للعشرة والهاجرة لبيت الزوجية.
تجاهل متعمد أن النفقة في الشريعة مقرونة بالطاعة والسكن، وأنها جزاء الاحتباس لا مكافأة على التمرد.
فصار الرجل يدفع لبيت لا يسكنه، ولزوجة لا يراها، ولأبناء لا يربيهم، بينما تُترك الزوجة بلا رادع يحملها على الرجوع.
هكذا كوفئت القطيعة بالمال، وعوقبت القوامة بالتجريد.
والأفدح أن الإسلام لا يمنح الحقوق للمرأة الكارهة لزوجها والتي تطلب الطلاق بلا سبب، بينما القانون الوضعي كرس لها حقوقاً غير مستحقة تحت مبررات واهية.
يُختلق سبب لا يذكر، أو يُطلب التفريق قبل الدخول وقبل أن ترى منه “أبيض ولا أسود”، ثم تُمنح النفقة والمؤخر وكأنها مكافأة خراب.
فصار الخروج من البيت مربحاً، والبقاء فيه خسارة. فأي ميزان هذا الذي يعاقب المتمسك ويكافئ الهادم؟
ولم يكتفِ الأمر بذلك، بل وصل بنا الحال إلى مشاهد لم نعهدها فتيات يخرجن بلا حياء يحتفلن بالطلاق بعد زواج وعشرة طويلة وأولاد، يحولن هدم البيت إلى حفلة، ويجعلن من تفكيك الأسرة مناسبة للفرح والتصفيق.
وهذا لم يكن ليحدث لولا أن هذه القوانين والتشريعات نزعت المودة والرحمة من القلوب، وقتلت معنى “السكن” بين الزوجين.
حولت البيت من مكان مودة إلى ساحة حرب، ومن شريكين متكاملين إلى خصمين يتربص كل منهما بالآخر.
فصار الطلاق عند البعض ليس نهاية مأساة، بل بداية مكاسب ومشروع “تحرر” مصطنع، لأن القانون ضمن المكافأة، وعطل العقوبة، وكافأ من يهدم، ولم يحمِ من يبني.
وكل هذا مرتبط بشعارات “التمكين” التي روجت لها نفس الجهات.
فما نراه اليوم ليس حوادث متفرقة، بل هو نتاج برنامج واحد متكامل هدفه واضح: تفكيك الأسرة، وتجفيف منابع الاستقرار، وإعادة تشكيل المجتمع على أنقاض البيوت.
ثم جاءت نصوص أخرى لتزيد اختلال ميزان العدالة، فانحازت في مواضع عدة إلى طرف على حساب الآخر، وأضعفت مكانة الولي، وأفقدت الرجل كثيراً من الضمانات التي تحفظ التوازن داخل الأسرة.
ومع اختلال هذا الميزان، اتسعت دائرة النزاعات، وغابت روح الشراكة التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة الزوجية، لتحل محلها عقلية الخصومة الدائمة.
ومن ثمرات هذا الانحراف أن القانون المهترئ فتح الباب أمام المتاجرة بالبنات. فظهرت حالات توجع القلب. وليس ببعيد قصة الفتاة التي تزوجت ثلاث عشرة مرة، بدخول وبغير دخول، بقصد ابتزاز الأموال والحصول على المؤخرات، في صورة لا تختلف في جوهرها عن الدعارة المقنعة.
فتحول الزواج إلى سلعة، والطلاق إلى تجارة، والبنت إلى وسيلة للكسب، في مشهد يهز الضمير قبل أن يهز القانون.
ويأتي بعد ذلك قانون “حماية الأسرة” ليكمل ما بدأه قانون الأحوال الشخصية.
جاء باسمه مدعياً الجمع، فإذا به يكرس الفرقة.
لا يعالج الخلل من جذوره، ولا يصلح الفكر، بل يوسع دائرة الاتهام، ويغذي الخصومة داخل البيت الواحد، ويقدم الحلول الإجرائية على الحلول الاجتماعية والإصلاحية .
وهكذا اجتمع قانونان؛ أحدهما يهدم من باب الأحوال الشخصية، والآخر يكمل الهدم من باب “الحماية” المزعومة.
لقد مزق هذا النهج ميزان الحقوق والواجبات الذي قامت عليه الأسرة في الإسلام.
فبدلاً من أن يخاطب القانون الزوجين بوصفهما شريكين متكاملين، أصبح يتعامل معهما كخصمين في ساحة نزاع.
فأعطى وسلب، وساوى في مواضع كانت المساواة فيها ظلماً، وفرق في مواضع كان التفريق فيها عدلاً.
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
وغاب معها الفهم الراشد للقوامة باعتبارها مسؤولية ورعاية وعدلاً، لا تسلطاً ولا استبداداً.
وكان الحصاد المر أن دفعت الأسرة وحدها الثمن.
طفل يحرم من أبيه سنوات، وأم ترزح تحت أعباء متراكمة، وأب يُختزل دوره في تحويل النفقة.
فتفككت البيوت، وتشردت الأجيال، واهتزت الخلية الأولى التي يقوم عليها استقرار الوطن.
إننا لا ننادي بإلغاء الحقوق، ولا بظلم المرأة، ولا بالتفريط في كرامة الطفل، وإنما ننادي بالعودة إلى الأصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
نريد قانوناً مستمداً من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن فقه راسخ يحفظ مقاصد الشريعة ويدرك واقع الناس.
قانوناً يبين لكل من الزوجين حقوقه بوضوح، وواجباته بحزم، فيعلم الرجل أنه راعٍ ومسؤول، وتعلم المرأة أنها سكن ومودة، وشريكة في بناء الأسرة .
قانوناً يجعل الصلح فريضة قبل التقاضي، ويجعل استقرار الأسرة مقصداً أعلى من أي انتصار فردي زائف.
فالأمم لا تبنى بكثرة القوانين، وإنما بعدالتها. ولا تحفظ الأوطان بالخطابات والشعارات إذا كانت الأسرة، وهي نواة المجتمع، تتآكل من الداخل.
إن الأسرة الأردنية ليست ملفاً قانونياً عابراً، بل هي حصن الوطن الأول، وإذا تصدع الحصن، فلن يبقَ منيعاً ما وراءه.
ولذلك فإن إعادة النظر في كل تشريع يهدد تماسك الأسرة ليست ترفاً تشريعياً، بل ضرورة وطنية وشرعية وأخلاقية، لأن الأوطان تبدأ من بيت مستقر، وإذا سقط البيت، لم يطل الزمن حتى يدفع المجتمع كله الثمن.
حمى الله الأردن، وشعبه، وجيشه، وأسره، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار.

