الأمن الغذائي الأردني 2030 وما بعده : من الاكتفاء الذاتي إلى بناء منظومة غذائية قادر ة على الصمود

16 د للقراءة
16 د للقراءة
الأمن الغذائي الأردني 2030 وما بعده : من الاكتفاء الذاتي إلى بناء منظومة غذائية قادر ة على الصمود

صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد العون – خبير دولي في الأمن الغذائي

الأمن الغذائي الأردني وما بعده 2030

بقلم: الدكتور محمد العون – خبير دولي في الأمن الغذائي

لم يعد الغذاء شأنًا زراعيًا يخص المزارعين ووزارة الزراعة وحدهما، فما شهده العالم خلال السنوات الماضية أكد أن الغذاء يرتبط مباشرة بالأمن الوطني والمياه والطاقة والتجارة والنقل والاستثمار، وبقدرة الدولة على التعامل مع الأزمات قبل وقوعها.

منذ جائحة كورونا، مر العالم بسلسلة من الاضطرابات المتلاحقة. تعطلت سلاسل التوريد، وارتفعت أسعار الغذاء والطاقة، وتأثرت حركة الشحن بالحروب والتوترات الإقليمية، بينما زادت التغيرات المناخية الضغط على المياه والإنتاج الزراعي. وفي دولة محدودة الموارد المائية مثل الأردن، لا يصح التعامل مع هذه التطورات على أنها أزمات مؤقتة تنتهي وتعود الأمور بعدها إلى سابق عهدها.

أطلق الأردن الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2021-2030 في توقيت مهم، وقدمت إطارًا يتجاوز الإنتاج الزراعي ليشمل توافر الغذاء، والقدرة على الوصول إليه، وجودته، واستقرار إمداداته. وبعد مرور نحو خمس سنوات على إطلاقها، أصبح من الضروري مراجعة ما تحقق، ومعرفة ما تعثر، وتحديد ما يحتاج إلى تغيير قبل الوصول إلى عام 2030.

السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس مقدار ما ينتجه الأردن من غذائه محليًا فحسب، بل مدى قدرته على تأمين هذا الغذاء إذا تعطلت طرق الشحن، أو ارتفعت الأسعار العالمية، أو نقصت مدخلات الإنتاج، أو تعرضت الدول المصدرة لأزمات سياسية أو مناخية.

هنا يظهر الفرق بين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي. فليس مطلوبًا من الأردن أن ينتج كل ما يستهلكه داخل حدوده، فهذا أمر لا تسمح به موارده المائية والطبيعية. المطلوب هو امتلاك القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من خلال إنتاج محلي كفؤ، ومخزون مناسب، ومصادر استيراد متنوعة، وصناعات غذائية قوية، وسلاسل توريد قادرة على الاستمرار وقت الأزمات.

ماذا تكشف المؤشرات الدولية؟

في آخر إصدار متاح من مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022، جاء الأردن في المرتبة 47 من أصل 113 دولة، محققًا 66.2 نقطة من 100. وسجل الأردن نتيجة مرتفعة نسبيًا في القدرة على تحمل كلفة الغذاء بلغت 85.3، مقابل 59.8 في توافر الغذاء، و55.4 في الجودة والسلامة، و58.9 في الاستدامة والتكيف.

وتؤكد البيانات الدولية أن الأردن حقق تحسنًا في مؤشر الأمن الغذائي العالمي؛ فقد ارتفع من 64.64 نقطة والمرتبة 49 في عام 2021 إلى 66.2 نقطة والمرتبة 47 في عام 2022.

إلا أن قراءة مكونات المؤشر تكشف أن التحسن العام لا يلغي وجود نقاط ضعف هيكلية. فالتحدي لا يتعلق بوجود الغذاء في الأسواق اليوم وحده، بل بقدرة المنظومة على المحافظة على توافره وجودته في المستقبل.

كما تؤكد هذه النتائج أن تحسين ترتيب الأردن في المؤشرات الدولية ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما الأهم هو معالجة مواطن الضعف التي تكشفها هذه المؤشرات.

ومقارنة الأردن بدول مجلس التعاون الخليجي في المؤشر نفسه تكشف صورة أوسع؛ إذ جاءت الإمارات في المرتبة 23 عالميًا بدرجة 75.2، تلتها قطر في المرتبة 30 بدرجة 72.4، فعُمان في المرتبة 35 بدرجة 71.2، والسعودية في المرتبة 41 بدرجة 70.3، ثم الأردن في المرتبة 47 بدرجة 66.2، والكويت في المرتبة 50 بدرجة 63، والبحرين في المرتبة 38 بدرجة 69.9.

واللافت أن الأردن، رغم محدودية موارده المالية والمائية مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي، لم يتخلف كثيرًا عن ترتيب أغلبها، بل تقدم على الكويت. وهذا يعني أن الفارق بين الأردن ودول الخليج في هذا المؤشر ليس فارقًا جوهريًا في القدرة المالية على تأمين الغذاء بقدر ما هو فارق في السياسات والاستراتيجيات المحدثة دوريًا وفقًا للتطورات العالمية، واستدامة سلاسل إمداد الغذاء المحلي والمستورد، والعلاقة المرنة مع القطاع الخاص، وتوفير التمويل للاستثمار في قطاع الغذاء بكافة مراحله.

وهو ما يجعل معالجة الأردن لمواطن تحدياته الفعلية في توافر الغذاء وجودته واستدامته أكثر إلحاحًا، والاستفادة من تجارب هذه الدول رغم محدودية مياه الري والأراضي الزراعية وتحديات الظروف البيئية للزراعة فيها.

والصورة تختلف عند المقارنة مع دول عربية أخرى أفضل من الأردن من حيث الموارد المائية والبيئية. ففي مؤشر 2022، جاء المغرب في المرتبة 57 عالميًا بدرجة 63، وهو أفضل أداء بين دول شمال أفريقيا، تلته تونس في المرتبة 62 بدرجة تقارب 56 نقطة، ثم الجزائر في المرتبة 68، ومصر في المرتبة 77.

أما العراق فلم يكن مشمولًا أصلًا في قائمة الدول الـ113 التي يغطيها المؤشر بسبب محدودية البيانات المتاحة عنه، وهو ما ينطبق أيضًا على عدد من دول النزاع في المنطقة.

هذه المقارنة تضع الأردن في موقع متقدم نسبيًا داخل محيطه العربي، فهو يسبق المغرب وتونس والجزائر ومصر، رغم أن موارده المائية أقل من موارد هذه الدول جميعًا تقريبًا. وهذا يعزز فكرة أن التقدم في المؤشر لم يأتِ من وفرة الموارد المائية والزراعية، بل من إدارة نسبية أفضل لسلاسل التوريد وشبكات الأمان الغذائي، وهي بالضبط النقطة التي يحتاج الأردن إلى البناء عليها بدل الاكتفاء بمقارنة الأرقام.

من قياس الإنتاج إلى قياس الاعتماد

من القضايا التي تحتاج إلى إعادة نظر طريقة قياس الاكتفاء الذاتي. فقد يكون المنتج زراعيًا أو غذائيًا محليًا، لكن إنتاجه يعتمد على بذور أو أعلاف أو أسمدة أو أدوية بيطرية أو معدات أو مواد تعبئة مستوردة. وعند تعطل وصول أحد هذه المدخلات، يتأثر الإنتاج المحلي، حتى لو ظل المنتج مصنفًا ضمن الإنتاج الوطني.

يحتاج الأردن إلى مؤشر وطني يقيس الاعتماد الخارجي على مدخلات الإنتاج الغذائي. ولا يقتصر هذا المؤشر على معرفة حجم الواردات، بل يحدد المدخلات التي يصعب الاستغناء عنها، والدول التي تأتي منها، والبدائل المتاحة، والمدة التي يستطيع فيها القطاع الاستمرار إذا انقطع التوريد.

يساعد هذا القياس على تحديد المدخلات التي يستحق إنتاجها محليًا، وتلك التي تحتاج إلى مخزون احتياطي، والمدخلات التي يتعين تنويع مصادر استيرادها. كما ينقل النقاش من التركيز على السلعة النهائية إلى فهم سلسلة الإنتاج كاملة.

فالأمن الغذائي لا يبدأ عند وصول السلعة إلى السوق، بل يبدأ من البذور والأعلاف والمياه والطاقة، ويمر بالإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتمويل، وينتهي بوصول الغذاء الآمن إلى المستهلك بسعر مناسب.

لا أمن غذائي بلا أمن مائي

لا يكتمل الحديث عن الأمن الغذائي الأردني من دون المياه. فالسؤال في الأردن ليس كم دونمًا نستطيع زراعته، بل ما القيمة الغذائية والاقتصادية التي ننتجها من كل متر مكعب من المياه.

يجب أن يكون هذا المعيار أساسًا لاختيار المحاصيل وتوجيه الدعم والتمويل. كما يجب أن يقود إلى التوسع في الزراعة المحمية والري الذكي والزراعة الدقيقة، وتطوير أصناف تتحمل الجفاف والملوحة والحرارة، وربط البحث العلمي بالمشكلات الفعلية التي تواجه المزارع والمنتج.

وتشكل المياه العادمة المعالجة وفق المواصفات الصحية والبيئية موردًا مهمًا. فقد بلغت كميتها عام 2021 نحو 186 مليون متر مكعب، أعيد استخدام قرابة 90 في المئة منها.

ورغم أهمية هذه النسبة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تتجاوز إعادة استخدام المياه إلى بناء منظومة تستفيد أيضًا من الطاقة والمغذيات الناتجة عن عمليات المعالجة، ضمن ضوابط صحية وبيئية واضحة. والهدف هو بناء اقتصاد دائري للمياه يرفع كفاءة استخدامها ويقلل الضغط على المصادر العذبة.

سلة غذائية وطنية لإدارة المخاطر

يحتاج الأردن إلى تحديد سلة وطنية من السلع الغذائية الأساسية، ولكل سلعة في هذه السلة ملف محدث يوضح حجم الاستهلاك، والإنتاج المحلي، والاستيراد، والمخزون، ومصادر التوريد، وطرق الشحن، ومدخلات الإنتاج، والبدائل المتاحة.

فإذا كانت سلعة أساسية تأتي من دولة واحدة أو عبر طريق شحن واحد، فإن انخفاض سعرها لا يلغي خطورتها الاستراتيجية. وتنويع مصادر الاستيراد وطرق النقل جزء من الأمن الغذائي، مثلما يمثل دعم الإنتاج المحلي جزءًا منه.

وفي هذا المجال، تقدم التجربة الإماراتية نموذجًا يستحق التعلم منه، فقد تعاملت دولة الإمارات مع الأمن الغذائي بوصفه منظومة متكاملة تشمل إدارة المخاطر، وتحديد السلع الغذائية الأساسية، وتنويع مصادر التوريد، وإعداد خطط بديلة للإمداد، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي بالتكنولوجيا والزراعة الحديثة، وبناء القدرات، وربط المنتجين مباشرة بمنافذ البيع، وإيجاد مصادر تمويل تشجع على تبني الزراعة الحديثة والاستثمار في المزارع وتكنولوجيا الزراعة المتقدمة.

ولا تعني الاستفادة من التجربة الإماراتية نقلها كما هي إلى الأردن، فلكل دولة مواردها وظروفها الاقتصادية والسكانية. لكن فكرة السلة الغذائية وربط كل سلعة بمصادر توريد وبدائل ومخزون وخطط للطوارئ تناسب احتياجات الأردن وتساعده على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.

التجربة السعودية وسؤال الهيكل المؤسسي

تقدم السعودية نموذجًا آخر مميزًا يتعلق بالتكامل المؤسسي. ففي عام 2016، اتجهت إلى جمع ملفات البيئة والمياه والزراعة تحت وزارة واحدة تسمى «وزارة البيئة والمياه والزراعة»، انطلاقًا من الترابط المباشر بين إدارة الموارد الطبيعية والأمنين المائي والغذائي.

ولا يعني ذلك أن على الأردن نسخ النموذج السعودي أو دمج الوزارات بصورة تلقائية، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا: هل يسمح الهيكل المؤسسي الأردني الحالي بإدارة المياه والزراعة والبيئة باعتبارها منظومة واحدة، أم أن تعدد الجهات يؤدي إلى بطء القرار وتعارض الأولويات؟

قد لا يكون الدمج الوزاري هو الحل الأنسب للأردن، لكن المطلوب في جميع الأحوال وجود قيادة تنفيذية توحد السياسات وتفصل في التعارض بين القطاعات. فلا معنى لدعم محصول زراعي إذا كانت السياسة المائية لا تسمح باستدامته، ولا جدوى من التوسع في الإنتاج إذا غابت مرافق التخزين والتصنيع والتسويق.

ويمثل المجلس الأعلى للأمن الغذائي، برئاسة رئيس الوزراء، الإطار المناسب لتحقيق هذا التكامل، لكن نجاحه يتطلب صلاحيات متابعة واضحة، وقاعدة بيانات موحدة، ومؤشرات أداء معلنة، وقدرة على معالجة التعارض بين السياسات القطاعية.

الأردن مركزًا إقليميًا للغذاء

لا يحتاج الأردن إلى إنتاج كل غذائه داخل حدوده، لكنه يستطيع أن يكون جزءًا مؤثرًا من منظومة الغذاء الإقليمية. فموقعه عند ملتقى أسواق دول الجوار العربي، إلى جانب خبرته في الصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، يؤهله للقيام بدور في التصنيع والتخزين والتعبئة والنقل وتطوير التقنيات الزراعية.

القوة الغذائية لا تقاس بمساحة الأرض الزراعية وحدها، فالدول تبني هذه القوة أيضًا من خلال المصانع والمختبرات وسلاسل التبريد والمستودعات والموانئ الجافة والكوادر العلمية والعلاقات التجارية.

ويستطيع الأردن بناء شراكات غذائية إقليمية تجمع بين رأس المال المتاح للاستثمار وفقًا لاستراتيجيات دول الجوار العربية والخبرة الأردنية وفرص الإنتاج والتصنيع والتسويق، بالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة.

لكن الأولوية يجب أن تكون للاستثمار في سلاسل القيمة، لا في المضاربة بالأراضي. وتشمل هذه السلاسل إنتاج البذور والأعلاف، والتصنيع الغذائي، والتعبئة، والتخزين، والتبريد، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الزراعية.

فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لا تأتي من ملكية الأرض وحدها، بل مما ينتج عليها وما يضاف إلى إنتاجها من تصنيع ومعرفة وتسويق.

تنظيم القطاع يبدأ من البيانات

من الصعب إدارة منظومة غذائية حديثة من دون بيانات دقيقة. لذلك يحتاج الأردن إلى سجل رقمي موحد للقطاع الزراعي والغذائي يحدد المنتجين والمزارعين والمصنعين، ومساحات الحيازات، وأنواع الإنتاج، واستهلاك المياه والطاقة، وحجم العمالة، والأسواق، وقيمة الإنتاج والتصدير.

يساعد هذا السجل على توجيه الدعم والتمويل والتأمين إلى مستحقيه، ويمنح الحكومة صورة أدق عن حجم الإنتاج الحقيقي واحتياجات كل منطقة.

كما يحتاج سوق العمل الزراعي إلى تنظيم يضمن وضوح الأدوار والتراخيص، ويحمي حقوق العاملين، ويمنع ممارسة أي نشاط إنتاجي أو تجاري خارج الأطر القانونية. وفي الوقت نفسه، يجب مساعدة المزارع الأردني على استخدام الميكنة والتكنولوجيا لرفع الإنتاجية وخفض تكاليف العمالة.

التكنولوجيا ليست ملفًا منفصلًا

لا يكفي الحديث عن الزراعة الذكية من دون ربطها بحاجات المزارع والسوق. المطلوب برامج عملية في الري الذكي، وتحليل التربة، والتنبؤ بالإنتاج والأسعار، وإدارة المياه والطاقة، ومراقبة الأمراض، والاستشعار عن بعد.

كما يحتاج الأردن إلى برنامج بحثي في الجينوم الزراعي يركز على تطوير نباتات وحيوانات أكثر تحملًا للجفاف والحرارة والملوحة والأمراض.

لكن نجاح البرنامج لا يقاس بعدد الأبحاث المنشورة، بل بعدد الأصناف والتقنيات التي تصل إلى المزارع والمصنع والسوق.

المشكلة ليست في غياب الجامعات أو الباحثين، بل في ضعف الصلة بين المختبر والاستثمار والإنتاج. ولهذا يجب بناء مسار يربط الجامعة ومركز الأبحاث بالشركة الناشئة والمستثمر والمزارع والمصنع.

الأرض مقابل الابتكار

من الأفكار التي تستحق الدراسة إطلاق برنامج وطني باسم «الأرض مقابل الابتكار». تقوم فكرته على منح حقوق انتفاع محددة المدة بأراضٍ حكومية لمشروعات توفر المياه، أو تدخل تقنيات زراعية جديدة، أو تستخدم الطاقة المتجددة، أو تقلل الفاقد، أو تضيف قيمة صناعية للمنتجات المحلية.

ويجب أن يجري منح هذه الحقوق من خلال منافسة معلنة وعقود ترتبط بنتائج واضحة، لا بمجرد تقديم طلب للحصول على الأرض. فإذا لم يحقق المشروع التزاماته في الاستثمار والإنتاج والتشغيل وكفاءة استخدام المياه، ينتهي حق الانتفاع.

بهذا تصبح الأراضي العامة أداة للإنتاج والابتكار، لا أصلًا جامدًا أو امتيازًا عقاريًا.

من كثرة المبادرات إلى قياس النتائج

يمتلك الأردن استراتيجيات وبرامج ومبادرات متعددة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قياس النتائج بصورة منتظمة وعلنية.

ويحتاج المجلس الأعلى للأمن الغذائي إلى منصة وطنية تعرض حالة المخزون، ومصادر الاستيراد، والاعتماد على المدخلات الخارجية، وكفاءة استخدام المياه، وحجم الفاقد والهدر، والطاقة التخزينية، ودخل المزارع، وقيمة صادرات الصناعات الغذائية.

وعندما يرتبط كل مؤشر بخط أساس وهدف سنوي وجهة مسؤولة وموعد محدد، يصبح من السهل معرفة مواضع النجاح والتعثر. أما الاكتفاء بالإعلان عن البرامج وعدد الاجتماعات، فلا يقدم صورة كافية عن أثر السياسات على أرض الواقع.

القرار المطلوب

قبل الوصول إلى عام 2030، يحتاج الأردن إلى مراجعة تنفيذية مستقلة للاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي تجيب بوضوح عن ثلاثة أسئلة: ماذا تحقق؟ أين تعثر التنفيذ؟ وما القرارات المطلوبة للمرحلة التالية؟

وينبغي أن تقود المراجعة إلى اعتماد سلة غذائية وطنية، وإنشاء مؤشر للاعتماد الخارجي على مدخلات الإنتاج، وربط السياسات الزراعية بالإنتاجية المائية، وإطلاق منصة وطنية معلنة للأداء.

كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى تحديد دور الأردن الإقليمي في الصناعات الغذائية والتخزين والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، بدل حصر النقاش في حجم الإنتاج الزراعي المحلي.

الأردن لا يحتاج إلى إنتاج كل غذائه بأي ثمن، بل يحتاج إلى إنتاج ما يتناسب مع موارده، وتأمين ما يستورده من أكثر من مصدر، وتعزيز مخزونه وصناعته الغذائية، والاستثمار في التكنولوجيا والبحث التطبيقي.

التحدي الحقيقي ليس كيف نزرع مساحات أكبر، بل كيف ننتج قيمة غذائية واقتصادية أعلى من كل قطرة ماء، وكل دونم أرض، وكل وحدة طاقة، وكل دينار يستثمر في هذا القطاع.

بهذا الفهم، ينتقل الأردن من إدارة نقص الموارد إلى بناء القدرة، ومن انتظار الأزمات إلى الاستعداد لها، ومن الاكتفاء الذاتي بوصفه هدفًا منفردًا إلى أمن غذائي أكثر مرونة واستدامة وقدرة على مواجهة المستقبل.

شارك هذا المقال