إرث الهندسة العائلي: تأثيرها في مسيرتي المهنية

15 د للقراءة
15 د للقراءة
إرث الهندسة العائلي: تأثيرها في مسيرتي المهنية

صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان 

 بعيدا عن السياسة قليلا فأن في عالم الهندسة، يجسد النجاح والإبداع إرثًا يتجاوز حدود الزمن و قد اخترت مشاركة ذلك لان العواطف و الذكريات جزءا لا يتجزء من ملكية النجاح ، و نهج يتبع لتشكيل المستقبل لمهندسين زملاء و شباب في بدايات حياتهم حيث ننشئ لهم مساحات تعبر عن غايات النجاح و سبلها عبر سيره حية ليس حنينا فقط بل لبناء الوعي والقيم و استكمال قصص النجاح و جمع النفوس حول فهم مشترك لما هي العائلة و دورها و مبادئها بنا فتح الله علينا من علم و من سرد عهد الي تدوين الالتزام خدمة لمن يأتي بعدنا ضمن تفاصيل الواقع واستمراريته في نسيج المجتمع.

 

في عائلتي، التى اعتز بها مثلما يعتز كل إنسان بعائلته ، هناك مهندسون عمالقة تعلمت منهم الكثير، وهي بالمناسبة نفس العائلة التى اشتهرت بالسياسة و الحكم و التجارة في منطقة الشرق الأوسط و خلال العهد العثماني حيث سيطرت علي مجالات سياسية و اجتماعية واقتصادية في نابلس ووسعوا نفوذهم الي السلط،وتاريخيا و لأطول فترة من اي عائلة كانوا الأسرة الوحيدة التى اقتربت من اقامة حكم مركزي في نابلس على مدار القرنين ١٨ و١٩ و من ثم تولوا رياسة الحكومة في الاردن و كان منهم العديد من الوزراء و السفراء وكادت ان تخلوا حكومة أردنية منهم بل و ان سليمان طوقان كان ضمن من تولوا “الوصاية على العرش الملكي” و غيرهم .

 

كان هناك عدد من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في غير عالم السياسة و الحكم و تحديدا في هذا المجال  الإبداعي  الهندسي، وكان لها تأثير كبير على مسيرتي. من بينهم، يبرز خال والدي درويش بيك أبو العافية، المهندس الذي ساهم بشكل كبير في بناء عمّان الحديثة، بالإضافة إلى المعماري جعفر طوقان، الذي كان له دور بارز في العمارة الحديثة، وعمي شقيق والدي المعماري رفيق طوقان، الذي ساهم في تأسيس نقابة المهندسين الأردنيين، وكذلك المهندس المدني محمد أبو العافية، الذي أسس مع زملائه النقابة و اصبح عضوا في مجلس ادارتها. كما كان لابن عم والدي، المهندس كمال كامل طوقان، الذي عمل بمؤسسة السقاف في جدة تأثير كبير على اختياري للهندسة المدنية، بالإضافة إلى العديد من الشخصيات الأخرى التي ساهمت في تشكيل مسيرتي. وسأستعرض في هذا المقال أثر هؤلاء العظماء على حياتي ومسيرتي وحتى تكون تأريخا للأجيال و دافعا للزملاء المهندسين ان يكلموا المسيرة و يستفيدوا من الخبرات التراكمية.

 

 درويش بيك أبو العافية: مهندس البنية التحتية

 

وُلد درويش بيك أبو العافية في يافا، وتلقى تعليمه الهندسي في مدرسة الهندسة العليا في الآستانة، ثم نال درجة الماجستير في الهندسة من جامعة مونبلييه في فرنسا. عند عودته إلى الوطن، كان يحمل رؤية مستقبلية لمدينة عمّان، التي كانت في بداية تطورها كعاصمة.

 

عمل أبو العافية في مشاريع هامة، منها محطة عمّان للخط الحديدي، التي كانت نقطة تحول في تاريخ المدينة. عندما تولى مسؤولياته في إمارة شرق الأردن، ساهم بشكل كبير في تنظيم العاصمة وتخطيطها وشق طرقها، مما جعل له دورًا محوريًا في تطوير البنية التحتية. لقد تعلمت من تجاربه كيف يمكن أن يكون للتخطيط الجيد والتصميم المدروس تأثير عميق على تطور مدينة بأكملها، واستلهمت منه أهمية الابتكار في التصميم و الرؤية المستقبليه للمدن من خلال مشاريعه التى قام بها والذي من ضمنها كان “قصر رغدان”.

 

 جعفر طوقان: فنان العمارة ومؤثر على المشهد العمراني

 

العم المعماري جعفر  ابن الشاعر الوطني ابراهيم طوقان، المولود في القدس، كان له دور بارز في مجال الهندسة المعمارية. درس في الجامعة الأميركية في بيروت وعمل في وزارة الأشغال الأردنية. بعد انتقاله إلى بيروت، انفتح على مدارس معمارية متعددة، مما أثرى تجربته.

 

تصاميمه، مثل مسجد عائشة بكار، تميزت بالجرأة والحداثة، مما جعله واحدًا من أهم المعماريين في العصر الحديث، وهو يؤمن ان المعامري يجب ان يأتي بالجديد و ليس ناقلا ، وان المعماري المتميز من يضع بصماته و يحول أفكاره الى واقع ملموس على ارض المشروع، لذا كانت لتجاربه تأثير كبير على المشهد المعماري في المدن الأردنية، و منها قرى الاطفال في العقبة و مبنى امانة عمان ألذى تشارك و المعماري المتميز راسم بدران في إظهاره الي الوجود. لقد ساهمت أعماله في تشكيل هوية معمارية فريدة تعكس الثقافة والتراث المحلي مع الأفكار المعمارية التى تواكب العصر. وعندما قمت بإدارة تصميم وتنفيذ أكثر من 40 مشروعًا لدبي القابضة وسما دبي في الإمارات وفي 12 دولة، استلهمت من تجاربه في كيفية دمج الجمال والوظائف في التصاميم وعدم النقل و التكرار و المحافظة على الإبداع و الإنسان بكل جديد.

 

رفيق طوقان: مهندس العمارة وصاحب الرؤية

 

عُقدت العديد من الجلسات المهمة في منزل المعماري رفيق طوقان بجبل عمان، بجانب منزل والد النائب والاقتصادي المهندس عبد الرحيم البقاعي، حيث تمت مناقشة فكرة تأسيس نقابة المهندسين. كانت تلك اللحظات مليئة بالتفكير والإبداع، حيث اجتمع رفيق مع زملائه توفيق مرار ومحمد أبو العافية وفؤاد فراج لوضع الأسس الأولى لهذه النقابة التي أصبحت لاحقًا نقطة انطلاق مهمة للمهندسين في الأردن. على الرغم من أنه كان يحمل الرقم 2 في نقابة المهندسين، إلا أنه لم يكن مهتمًا بالترشح للمنصب، بل اكتفى بمساهمته الفعالة في تطوير النقابة من خلال تبرعه لشراء الأرض التي ستُبنى عليها. وعرف عن المعماري رفيق طوقان دقته و براعته في استخدامات حجر معان و ادخاله في تصميمات الأبنية وقد كان ان صمم منزل مدير الامن العام اللواء حكمت مهيار و منزل دولة رئيس الوزراء وصفي التل و فيلا رجل الاعمال الفاخوري ومبنى وزارة البلديات و غيرها من الأبنية التاريخية بالأردن. و يذكر له عندما صمم قصورا لحكام الكويت ان وضع اللوحة الشهيرة  ذات الحكمة العربية علي قصر الحاكم ” لو دامت لغيرك مااتصلت إليك”

 

 محمد أبو العافية: روح التعاون

 

المهندس محمد أبو العافية، ابن خال والدي، كان له دور مهم في تأسيس نقابة المهندسين الأردنيين. صمم حاووز اللويبدة في بداية حياته المهنية، وهو مشروع كان يعتبر مبتكرًا في وقته. مع زملائه، أسسوا فريقًا قويًا من المهندسين الذين عملوا على تطوير النقابة، مما ساعد على تعزيز مهنة الهندسة في الأردن وقد الهمني العمل التطوعي و النقابي و الاهتمام بالأنظمة و التشريعات و القوانين الهندسية.

 

كمال طوقان: الداعم والموجه

 

ابن عم والدي، المهندس كمال طوقان، كان له تأثير كبير في اختياري التخصصي للهندسة المدنية و في فهم الفروق الحقيقية بين الهندسة المدنية، الميكانيكية، الكهربائية، أو البرمجيات بناءً على حاجة السوق الحالية.فخلال إحدى زياراته إلى عمان عام 1976، طلب مني أن أرسم خريطة للفيلا التي كنا نقيم فيها. عندما لاحظ أنني لم أتمكن من الرسم بشكل جيد، اقترح علي أن أذهب إلى القسم المدني حيث توجد مجالات كثيرة للعمل، بينما العمارة تحتاج إلى مهارات وموهبة لم تكن مكتملة عندي. احترمت قراره، وأصبحت مهندسًا مدنيًا، وكنت أنظر إليه دوماً بتقدير، وأستمع له خلال دراستي الهندسية.

 

اللواء الركن المهندس عبد الفتاح حمدي التأثير العسكري والمهني

 

أيضًا، لا يمكنني نسيان تأثير اللواء عبد الفتاح حمدي، الذي كان مهندسًا ميكانيكيًا وقائدًا لسلاح الغواصات البحرية في مصر ، و هو الذي اصطحبني في زيارة لا أنساها و انا طفل لم يبلغ بعد ١١ عاما الي داخل غواصة حربية مصرية  عندما كان قائد السلاح. واصبح نائب القوات البحرية المصرية و مدير مخابراتها الحربية فيما بعد و المسؤول عن إغلاقات باب المندب في الحروب التى خاضتها مسؤول و ايضا عن تآمين ام الرشاش التى أصبحت لاحقا “ايلات “و كان شقيقا لوزير الدفاع الفريق الركن  مدير المخابرات الحربي المصرية الاسبق عبد الحميد حمدي. درسني هندسة الميكانيك بالمنزل و الرياضيات و التى كان يتقنها ، وجعلني أحب المادة و الحساب وأحب العسكرية و اتفهم “الوطنية وحب الوطن”.

 

الآخرون في مسيرتي

 

من بين الشخصيات البارزة الأخرى، المهندس بسام أبو العافية، المستشار الهندسي لبلدية الكويت، الذي كان مثالًا للأخلاقيات والكفاءة الإنشائية، وساعدني على معرفة افضل الطرق لاجتياز المواد الصعبة والمراجع التي احتاجها  أثناء دراستي الجامعية وأوصاني بكتب العلامة المهندس الدكتور قريش في الخراسانات وقد شجعني كثيرًا في مسيرتي. 

 

كما وأن شقيقه المهندس عبد الهادي أبو العافية، صاحب المكتب الاستشاري الكبير في الكويت ، هو الذي دفعني نحو العمل الخاص .

 

اما خالي المهندس سمير البسطامي احد اهم المهندسيين في مكة ، و كان له دورا بارزا اثناء اقتحام الحرم المكي عام ١٩٧٩ من قبل جهيمان العتيبي ومحمد القحطاني وكيف تعاون مع اللواء احمد علاء الدين و الفرنسيين في جلائهم و تحرير الحجاج المحتجزين ، وهو الذي كان مديرا لشركة ردك السعودية التى كان يملكها رجل الأعمال اللبناني غيث فرعون ووجد حلا غير تقليدي لانشاء خطوط المياه و المجاري في منطقة جبليه صخرية  في وقت كبيرات الشركات العالمية ،و نجح هو بعبقريّته ، وأمضى  ٤٠ عاما في مكه مع المرحوم غيث فرعون الي ان فاوضوا في باريس البنوك و الشركات ، فقد تعلمت منه ايجاد الحلول غير التقليدية الهندسية والتفاوض وأصول المحاسبة الهندسية للمشاريع وتقسيم دفعات المقاولين ومحاسبتهم وإيجاد الحلول المناسبة للمشاريع ، و علمني كلمة “اعتذر” عندما اخطاء او يحتد النقاش . كما ووجّهني لتعلم البرامج الهندسية (مثل AutoCAD, Revit, MATLAB) والتى كانت الأكثر طلباً في السوق وقتها وهو زميل معالي الدكتور منذر حدادين وزير المياه الأسبق .

 

وفي السعودية،ايضا  كان ابن العم المهندس طلال طوقان الذراع الأيمن لمجموعة بن لادن للمقاولات وهو المرجع والأخ الكبير الذي استشرتُه وتعلمت منه وهو احد أعلام وكبار مهندسي المجموعة وصديق لكل من معالي المهندس علي سحيمات و معالي عوني المصري اللذين عملوا معه في مجموعة بن لادن . 

 

اما الدكتور المهندس خالد طوقان ، الذي استلم وزارات مختلفه مثل الطاقة و التربية و التعليم وكان عميدا لكلية الهندسة بالجامعة الاردنية، فقد تعلمت منه أهمية العلم و المعرفة ، التصميم و العزم و العناد على الحق ، والتحدي.

 

من حظي انني وجدت نفسي تلميذا متدربا ضمن كوكبة من المهندسين العمالقة من داخل العائلة و التي تطول وهم كثر ، فبينما المهندس وائل طوقان نقيب المقاوليين و المهندس نبيل طوقان رئيس مجلس شركة المقاولات كانوا لي المثل والمنارة في مسيرتي فقد كان الآخرون نبراسا و قدوة تحتذى. لقد ألهموني جميعا لأكون مهندسًا يسعى لتحقيق التميز والإبداع من خلال الاجتماع معهم و الاستماع اليهم ودراسة سيرتهم و التي منها قد أدركت أن الهندسة ليست مجرد مهنة، بل هي دعوة لبناء عالم أفضل. 

 

إن إرث هؤلاء العظماء سيبقى دائمًا محفورًا في ذاكرتي، وأتمنى أن أكون قادرًا على إكمال مسيرتهم وإحداث تأثير إيجابي في المجتمع من خلال أعمالي الهندسية و التى امتدت عبر قارات العالم و اكبر مشايع القرن و أهمها.  

 

واقصد ان الهندسة مجال مليء بالضغوط و الامتحانات الطويلة ، مجال مليء بالتحديات والامتحانات ووجود شخص مهندس من العائلة يفهم هذه المعاناة ويحتويها و يشارك خبراته مع أفراد عائلته من المهندسيين و يوجههم بادب و تواضع يشكل فارقا نفسيا كبيرا  ،كما وان رؤية نجاحهم المهني وتطورهم اعطاني الدافع للاستمرار و التميز . 

 

اما المهندسون العظماء من غير الاقارب وخارج اطار العائلة مثل “المعلم”  عثمان احمد عثمان رئيس ومؤسس المقاولون العرب الصديق و الزميل إسماعيل عثمان والمعماري راسم بدران و النقابي السياسي ابراهيم ابو عياش و النائب نقيب المهندسيين الاردنيين ليث شبيلات وبيكر المصمم الانشائي لبرج دبي و جراهم ماهير مصمم سد مهمند في الباكستان وأنس سنو المهندس اللبناني رجل العلاقات العامة وتوم بيترز  المهندس والكاتب الأمريكي و الاشهر في مفاهيم الإدارة الحديثة المتخصص في علم ادارة مؤسسات الاعمال  المعروف برجل التميز، و المهندس مايكل سميث الحاصل على وسام كندا ، والمهندس نائب اربدّ محمد بن هاني مدير هندسة المطارات والمهندس محمد خير الكيلاني و المهندس راضي البشتاوي ومعالي المهندس احمد ذوقان الهنداوي و فيصل المصري و  اسامة ماضي و عمرو بدير وحسني ابو غيدا و خالد البوريني و جمال الشخشير و فيصل المصري وعزام الهنيدي وعصام البلبيسي وعبد الرزاق المعاني ورائف نجم ودولة كل من المهندس نادر الذهبي و د.هاني الملقي ، والمعمارية زها حديد و المهندسان سميح و نجيب ساويرس والمهندس المصري الاستشاري حسين صبور و المهندس صلاح شحاته  ومحمد فتحي ومحمد عبد العليم و خالد شهاب نقيب مهندسي لبنان والدكتور العلامه في الري و مشاريع السدود و المياه يوسف يونان ، صاحب فكره و مشروع منخفض القطارة ، ومعالي الوزير المهندس احمد طلعت وزير السياحة و الطيران في مصر و البروفيسور الدكتور محمد عباسي وفتح الله فوزي واخرون من المهندسين ممن عملت معهم وعرفتهم عن قرب فلهم مقال آخر وفضل كبير و على رأسهم المهندس سعيد بينو  مع حفظ الألقاب ، وعذرا لمن سقطوا سهوا و لم اذكرهم ، وللحديث بقية حيث للهندسة شجون و فنون .

شارك هذا المقال