صراحة نيوز – كتب الصحفي ماجد القرعان
يواجه الأردن، كغيره من دول منطقة الشرق الأوسط، تحديات مناخية حاسمة تتمثل في الجفاف الشديد، وشح المياه، وتذبذب الأمطار.
وفي ظل هذه الظروف، جاء التوجيه الملكي السامي ليمثل نقطة تحول استراتيجية إذ لم يعد التعامل مع التغير المناخي مجرد ترف بيئي أو استجابة لالتزامات دولية، بل أضحى محوراً أساسياً في صلب السياسة التنموية والاقتصادية للمملكة، ورافداً رئيسياً للحد من معضلتي الفقر والبطالة تماشياً مع رؤية التحديث الاقتصادي وبالتالي فإن الرؤية الملكية تستند إلى صياغة استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي واضعا جلالته الكرة في ملعب الحكومة لبناء اقتصاد أخضر يسهم في إنعاش الاقتصاد الوطني .
وهذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى جلب المنح والمساعدات، بل تسعى إلى إعادة توجيه هذه التدفقات المالية نحو مشاريع إنتاجية كبرى. من خلال بناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، تتحول الأعباء البيئية إلى محركات نمو قادرة على توليد فرص عمل مستدامة وتوفير شبكات أمان اقتصادي للفئات الأكثر تأثراً.
وتُعد “الوظائف الخضراء” النتيجة المباشرة للاستثمارات المناخية الموجهة فالانتقال نحو الطاقة المتجددة، وتطوير أنظمة النقل المستدام، وإعادة تدوير النفايات، وإدارة المياه، كلها قطاعات تتطلب عمالة كثيفة ومهارات جديدة.
وتفتح هذه المشاريع آفاقاً واسعة أمام الخريجين والتقنيين الأردنيين في مجالات الهندسة البيئية، وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية، وتكنولوجيا المياه.
ويسهم نمو هذا القطاع الواعد في استيعاب أعداد من المتعطلين عن العمل، وتحويل الطاقات الشابة نحو قطاعات ذات ديمومة عالية ونمو مستمر.
وتعتبر المجتمعات الريفية والزراعية في الأردن الأكثر عرضة لتبعات التغير المناخي؛ حيث يهدد الجفاف مصادر دخلهم الأساسية، مما يرفع من معدلات الفقر في المحافظات. وهنا يبرز دور التوجيه الملكي في دعم الزراعة الذكية مناخياً ما يستدعي توجيه التمويل نحو تقنيات الحصاد المائي الحديثة والري الموفر للمياه ليحمي المزارعين من الخسائر المادية الناتجة عن شح الأمطار فيما يسهم استقرار دخل الأسر الريفية بالحفاظ على القطاع الزراعي ويمنع الهجرة من الريف إلى المدينة الذي يشكل خط دفاع مباشر ضد اتساع رقعة الفقر.
ويُعد حصول الأردن على منحة بقيمة 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لصالح مشروع “الناقل الوطني للمياه” نموذجاً حياً لتطبيق التوجيهات الملكية.
وهذا المشروع، إلى جانب كونه حلاً استراتيجياً لأزمة المياه، يعمل كـ “مُحرك اقتصادي” لتحفيز السوق المحلي حيث تستدعي هذه المشاريع الضخمة تشغيل شركات المقاولات، والهندسة، والخدمات اللوجستية المحلية فيما توفر فترة التنفيذ والتشغيل آلاف الفرص الوظيفية المؤقتة والدائمة، مما يضخ السيولة في الاقتصاد الوطني ويدعم الأسر الأردنية.
إن التوجيه الملكي بشأن المناخ يمثل خريطة طريق ذكية تربط بين حماية كوكب الأرض والازدهار الاقتصادي للمواطن.
إن النجاح في بناء “اقتصاد أخضر” متين، مدعومٍ بتمويل دولي ومحلي موحد، لن يضمن للأردن بيئة مستدامة فحسب، بل سيكون السلاح الأقوى في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها الفقر والبطالة، لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

