صراحة نيوز – بقلم: الدكتور أحمد الجداية
لَمْ تَكُنِ العَقَبَةُ يَوْمًا مُجَرَّدَ مِينَاءٍ عَلَى هَامِشِ الصَّحْرَاءِ، كَانَتْ رِهَانَ الدَّوْلَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ عَلَى الخَلَاصِ مِنْ ضِيقِ الجُغْرَافْيَا إِلَى سَعَةِ الاقْتِصَادِ، كَانَتِ الحُلْمَ الذِي صَاغَهُ المَلِكُ بِأَنْ تَكُونَ ثَغْرَ الأُرْدُنِّ البَاسِمَ، بَوَّابَتَنَا إِلَى العَالَمِ وَرِئَةَ مُوَازَنَتِنَا المُنْهَكَةِ. قِيلَ لَنَا يَوْمَهَا: سَنَخْلَعُ عَنْ هَذِهِ البُقْعَةِ عَبَاءَةَ البِيرُوقْرَاطِيَّةِ وَنُلْبِسُهَا ثَوْبَ الشَّرِكَةِ، سَتُدِيرُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا وَتَفِيضُ بِخَيْرِهَا عَلَى الخَزِينَةِ العَامَّةِ، فَإِذَا بِهَا تَخْلَعُ عَبَاءَةَ الدَّوْلَةِ وَتَلْبَسُ عَبَاءَةَ الغَنِيمَةِ، وَإِذَا بِالشَّرِكَةِ التِي حَلُمْنَا بِهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى مَزْرَعَةٍ خَاصَّةٍ تُوَزِّعُ رَيْعَهَا عَلَى مَنْ فِيهَا وَتَنْسَى الوَطَنَ الذِي أَنْشَأَهَا.
إِنَّ أَخْطَرَ مَا فَعَلَتْهُ سُلْطَةُ العَقَبَةِ لَمْ يَكُنْ هَدْرَ المَالِ العَامِّ، بَلْ تَعْطِيلَ آلَةِ جَمْعِ المَالِ، وَهَذَا أَشَدُّ فَتْكًا بِالمُوَازَنَةِ العَامَّةِ مِنْ أَيِّ اخْتِلَاسٍ، فَالاخْتِلَاسُ يَسْرِقُ مَا تَمَّ جَمْعُهُ، أَمَّا تَعْطِيلُ التَّحْصِيلِ فَيَمْنَعُ المَالَ مِنْ أَنْ يُجْمَعَ أَصْلًا. تَخَيَّلْ مَعِي دَوْلَةً فَقِيرَةً تَمْلِكُ كَنْزًا عَلَى البَحْرِ، يُصْدِرُ القَضَاءُ لِصَالِحِهَا أَحْكَامًا قَطْعِيَّةً بِتَحْصِيلِ مِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ مِلْيُونًا وَسِتِّمِئَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ قَضَايَا جُمْرُكِيَّةٍ، فَتَتْرُكُهَا مُعَلَّقَةً فِي الأَدْرَاجِ، لَا تُطَالِبُ وَلَا تَحْجُزُ وَلَا تُنَفِّذُ، وَتَخَيَّلْ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ أَحَدَ عَشَرَ مِلْيُونًا وَمِئَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ضَرَائِبَ مُسَقَّفَاتٍ مُسْتَحَقَّةً عَلَى شُقَقٍ فَاخِرَةٍ وَفَنَادِقَ تَطُلُّ عَلَى البَحْرِ الأَحْمَرِ، لَا تَجِدُ مَنْ يَطْرُقُ بَابَهَا، بَيْنَمَا تَجِدُ الدَّوْلَةَ فِي عَمَّانَ تَلْهَثُ وَرَاءَ مُوَاطِنٍ تَأَخَّرَ عَنْ ضَرِيبَةِ مُسَقَّفَاتٍ بِمِئَةِ دِينَارٍ.
إِنَّ مَا كَشَفَهُ تَقْرِيرُ دِيوَانِ المُحَاسَبَةِ هُوَ رَأْسُ جَبَلِ الجَلِيدِ فَقَطْ، أَمَّا مَا لَمْ يَكْشِفْهُ التَّقْرِيرُ فَهُوَ الأَخْطَرُ. فَالأَسْبَابُ المَكْشُوفَةُ هِيَ أَرْقَامٌ صَادِمَةٌ عَنْ هَدْرٍ وَتَبْذِيرٍ وَتَعْطِيلِ تَحْصِيلٍ، وَلَكِنَّ الأَسْبَابَ غَيْرَ المَكْشُوفَةِ هِيَ ثَقَافَةٌ كَامِلَةٌ تَسَلَّلَتْ إِلَى المُؤَسَّسَةِ، ثَقَافَةُ أَنَّ العَقَبَةَ غَنِيمَةٌ لَا أَمَانَةٌ، وَأَنَّ القَانُونَ الخَاصَّ وُضِعَ لِيَحْمِيَ المَسْؤُولَ مِنَ الرَّقَابَةِ لَا لِيَحْمِيَ المُسْتَثْمِرَ مِنَ البِيرُوقْرَاطِيَّةِ. حِينَ يَتَحَوَّلُ المَنْصِبُ إِلَى وِجَاهَةٍ، وَالوَظِيفَةُ إِلَى صِلَةِ قَرَابَةٍ، وَالأَرْضُ إِلَى هَدِيَّةٍ، وَالسَّيَّارَةُ الحُكُومِيَّةُ إِلَى شَبَحٍ بِلَا لَوْحَةٍ وَلَا تَتَبُّعٍ، فَلَا تَسْأَلْ عَنِ الأَرْقَامِ، بَلْ اسْأَلْ عَنِ العَقْلِيَّةِ التِي أَنْتَجَتْهَا، تِلْكَ العَقْلِيَّةُ التِي حَوَّلَتْ فِكْرَةَ المِنْطَقَةِ الخَاصَّةِ مِنْ فِكْرَةِ تَحْرِيرِ السُّوقِ إِلَى فِكْرَةِ تَحْرِيرِ المَسْؤُولِ مِنْ أَيِّ مُسَاءَلَةٍ.
وَلَكِنْ أَيْنَ ذَهَبَ المَالُ الذِي تَمَّ تَحْصِيلُهُ فِعْلًا؟ هُنَا تَتَجَلَّى المَأْسَاةُ الثَّانِيَةُ، مَأْسَاةُ التَّوْظِيفِ كَأَدَاةِ إِفْقَارٍ مُمَنْهَجٍ. لَقَدْ تَحَوَّلَتِ السُّلْطَةُ مِنْ أَدَاةٍ لِجَذْبِ الاسْتِثْمَارِ إِلَى أَدَاةٍ لِتَوْزِيعِ المَغَانِمِ الوَظِيفِيَّةِ. مِلَفُّ التَّسْكِينِ الذِي هَزَّ العَقَبَةَ وَأُحِيلَ إِلَى هَيْئَةِ مُكَافَحَةِ الفَسَادِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ خَطَأٍ إِدَارِيٍّ، كَانَ انْقِلَابًا عَلَى مَنْطِقِ الدَّوْلَةِ، أَنْ تَأْتِيَ بِمُوَظَّفِينَ قَائِمِينَ وَتُعِيدَ تَسْكِينَهُمْ بِدَرَجَاتٍ أَعْلَى وَرَوَاتِبَ أَعْلَى دُونَ وَجْهِ حَقٍّ، لِتَخْلُقَ عِبْئًا إِضَافِيًّا قَدْرُهُ ثَمَانِيَةُ مَلَايِينَ دِينَارٍ كُلَّ عَامٍ، عِبْئًا أَبَدِيًّا يَلْتَهِمُ كُلَّ فَائِضٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ. وَحِينَ تَجِدُ أَحَدَ عَشَرَ مَنْصِبَ مُسْتَشَارٍ فِي مَكْتَبِ الرَّئِيسِ وَحْدَهُ تَمَّ إِلْغَاؤُهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ تَغْيِيرِ الإِدَارَةِ، تُدْرِكُ أَنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ هَيْكَلٍ إِدَارِيٍّ بَلْ عَنْ مَزْرَعَةٍ عَائِلِيَّةٍ بِلِبَاسٍ رَسْمِيٍّ. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، مَا رَصَدَهُ التَّقْرِيرُ عَنْ نَمَطٍ خَطِيرٍ مِنْ تَفْصِيلِ الأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيمَاتِ عَلَى مِقَاسِ أَشْخَاصٍ بِعَيْنِهِمْ، حَيْثُ يُعَدَّلُ النِّظَامُ لِسَاعَاتٍ مَحْدُودَةٍ لِمَنْحِ امْتِيَازَاتٍ وَدَرَجَاتٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ يُعَادُ النِّظَامُ إِلَى سَابِقِ عَهْدِهِ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.
هَذِهِ المَنْظُومَةُ تُنْتِجُ إِفْقَارًا مُرَكَّبًا، فَهِيَ تُفْقِرُ المُوَازَنَةَ حِينَ لَا تُحَصِّلُ حُقُوقَهَا، وَتُفْقِرُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً حِينَ تُبَذِّرُ مَا حَصَّلَتْهُ عَلَى مُكَافَآتٍ بِلَا أُسُسٍ بَلَغَتْ مِلْيُونًا وَنِصْفَ المِلْيُونِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى إِيجَارٍ وَهْمِيٍّ لِمَكَاتِبَ تَمْلِكُهَا أَصْلًا بِثَمَانِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَعَلَى نِصْفِ مِلْيُونِ دِينَارٍ دُفِعَتْ لِشَخْصٍ بِدُونِ عَقْدٍ قَانُونِيٍّ وَاضِحٍ، وَعَلَى تَأْمِينٍ صِحِّيٍّ لَمْ يُسَدَّدْ مُنْذُ 2013 حَتَّى بَلَغَ مِلْيُونَيْنِ وَأَرْبَعَمِئَةِ أَلْفٍ، وَعَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَوْحَةً بَيْضَاءَ أَمْنِيَّةً تُوضَعُ عَلَى سَيَّارَاتٍ مَدَنِيَّةٍ لِتَتَهَرَّبَ مِنَ التَّتَبُّعِ.
إِنَّ العَقَبَةَ لَمْ تَفْشَلْ لِأَنَّهَا فَقِيرَةٌ، فَشِلَتْ لِأَنَّهَا أَغْنَى مِنْ أَنْ تُدَارَ بِهَذِهِ العَقْلِيَّةِ، وَالمُسْتَثْمِرُ الأَجْنَبِيُّ الذِي يُفَكِّرُ أَنْ يَضَعَ مِلْيَارًا عَلَى شَاطِئِهَا لَا يَقْرَأُ بَيَانَاتِنَا الصَّحَفِيَّةَ، هُوَ يَقْرَأُ تَقْرِيرَ دِيوَانِ المُحَاسَبَةِ، وَحِينَ يَقْرَأُ أَنَّ السُّلْطَةَ تَرَكَتْ ثَلَاثِينَ مِلْيُونًا ذِمَمًا عَلَى شَرِكَاتٍ اشْتَرَتْ أَرَاضِيَ وَلَمْ تَلْتَزِمْ، سَيَفْهَمُ الرِّسَالَةَ فَوْرًا، هَذِهِ لَيْسَتْ بِيئَةَ اسْتِثْمَارٍ بَلْ بِيئَةُ تَنْفِيعٍ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ إِنْقَاذَ العَقَبَةِ يَبْدَأُ مِنْ تَغْيِيرِ القَوَاعِدِ لَا الأَشْخَاصِ فَقَطْ، بِتَشْكِيلِ وَحْدَةِ تَحْصِيلٍ سِيَادِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِوَزَارَةِ المَالِيَّةِ لِتَنْفِيذِ الأَحْكَامِ القَطْعِيَّةِ، وَبِوَقْفِ التَّعْيِينِ المُبَاشِرِ وَإِخْضَاعِ كُلِّ وَظِيفَةٍ لِامْتِحَانٍ تَنَافُسِيٍّ عَلَنِيٍّ عَبْرَ دِيوَانِ الخِدْمَةِ، وَبِجَعْلِ بَيْعِ الأَرَاضِي بِمَزَادٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ عَلَنِيٍّ يَرَاهُ كُلُّ أُرْدُنِّيٍّ، وَبِإِجْبَارِ السُّلْطَةِ عَلَى نَشْرِ كَشْفٍ مَالِيٍّ شَهْرِيٍّ وَاحِدٍ يَظْهَرُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ فَاتُورَةِ البَنْزِينِ حَتَّى عُقُودِ الاسْتِثْمَارِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ هِيَ أَفْضَلُ مُطَهِّرٍ لِلْفَسَادِ.
وَعِنْدَهَا فَقَطْ سَتَعُودُ العَقَبَةُ كَمَا أَرَادَهَا المَلِكُ، ثَغْرًا بَاسِمًا يُطْعِمُ الوَطَنَ، لَا ثَغْرًا يَأْكُلُ مِنْ قُوتِ الوَطَنِ.

