نحو ديمقراطية تصنع القرار وتضع المواطن في قلب المعادلة
صراحة نيوز – بقلم: م. ناصر محمود عبيدات
لا تُقاس الديمقراطية بعدد صناديق الاقتراع أو المقاعد النيابية، بل بقدرة صوت المواطن على التأثير في تشكيل الحكومات وصناعة القرار. ومن هنا، يقف الأردن أمام مرحلة مهمة من مسيرته السياسية، تتمثل في الانتقال من الكتل النيابية التقليدية إلى حكومات حزبية برامجية، تتنافس على أساس الرؤى والإنجاز، وتتحمل مسؤولية إدارة الدولة أمام الشعب وممثليه.
رؤية ملكية تقود مسيرة التحديث
لم تكن الحكومات البرلمانية فكرة طارئة على الأردن، بل جاءت ضمن رؤية إصلاحية متقدمة يقودها جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، الذي امتلك رؤية سياسية بعيدة المدى، وجعل التحديث السياسي وتطوير الحياة الديمقراطية ركيزتين أساسيتين في مشروعه الوطني.
لقد كان جلالته سبّاقًا في الدعوة إلى تطوير الحياة الحزبية والانتقال نحو حكومات تستند إلى الأغلبية النيابية، ومعارضة حزبية فاعلة تمارس دورها الرقابي. وقد تجلت هذه الرؤية في خطابات العرش والأوراق النقاشية الملكية، ولا سيما عام 2013، ثم تعززت من خلال مسارات التحديث السياسي والتشريعات التي أُقرت عام 2022.
إن هذه الرؤية الملكية تعكس إيمانًا راسخًا بأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بمؤسسات فاعلة، ومشاركة سياسية مسؤولة، وأحزاب قادرة على تقديم البرامج والحلول. وهي رؤية تستحق التقدير لما تحمله من طموح في بناء حياة سياسية أكثر نضجًا واستقرارًا.
وقد شكلت انتخابات عام 2024 خطوة مهمة، مع تخصيص 41 مقعدًا من أصل 138 للقائمة الحزبية العامة، ضمن مسار تدريجي لتعزيز حضور الأحزاب في مجلس النواب.
ماذا تعلمنا تجارب العالم؟
تقدم التجربة الألمانية نموذجًا مهمًا للحكومات الائتلافية، حيث تقوم الحكومات على اتفاقات وبرامج واضحة بين الأحزاب، وتخضع للمساءلة البرلمانية. ومن الأمثلة على ذلك إدراج رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8.50 يورو في الساعة ضمن اتفاق الائتلاف الحاكم، قبل تطبيقه عام 2015.
أما نيوزيلندا، فقد انتقلت إلى نظام التمثيل النسبي المختلط بعد استفتاء عام 1993، وبدأ تطبيقه في انتخابات 1996، ما أتاح تمثيلًا أوسع للقوى السياسية، وعزز دور الأحزاب والائتلافات في تشكيل الحكومات.
وتؤكد هذه التجارب أن نجاح الحكومات الحزبية لا يتحقق بمجرد تغيير القوانين، بل ببناء أحزاب حقيقية تمتلك برامج قابلة للتنفيذ، وقيادات مؤهلة، وثقافة سياسية تؤمن بالتعددية والمساءلة.
هل يحتاج الأردن إلى عدد أكبر من النواب؟
يضم مجلس النواب الأردني 138 عضوًا، لكن السؤال الأهم ليس زيادة العدد أو تقليصه، بل مدى عدالة التمثيل وكفاءة الأداء وقدرة النائب على التعبير عن المواطنين ومتابعة قضاياهم.
فالمطلوب مجلس نيابي قوي، يمارس التشريع والرقابة بفاعلية، ويكون أعضاؤه على قدر المسؤولية الوطنية.
ماذا سيكسب المواطن؟
المواطن هو المستفيد الأول من نجاح هذا التحول؛ فبدلًا من الوعود الفردية والموسمية، تصبح الأحزاب مطالبة بتقديم برامج واضحة في التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والخدمات.
كما أن وجود معارضة حزبية منظمة يتيح رقابة أكثر فاعلية على أداء الحكومة، ويقدم بدائل سياسية واقتصادية، ويمنح المواطن فرصة حقيقية للمحاسبة عبر صندوق الاقتراع.
الطريق إلى التطبيق
يتطلب نجاح التجربة تعزيز الديمقراطية داخل الأحزاب، وتأهيل القيادات الشابة، وتطوير برامج واقعية تستجيب لأولويات المواطنين، إلى جانب تشكيل ائتلافات حزبية على أساس التوافق البرامجي، لا المصالح المؤقتة.
إن الانتقال إلى الحكومات الحزبية يجب أن يكون تدريجيًا ومدروسًا، يستند إلى الدستور وسيادة القانون، ويحافظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.
لقد وضع جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، أساسًا مهمًا لهذا المسار الإصلاحي، وأطلق رؤية تستهدف بناء دولة حديثة يكون فيها المواطن شريكًا في القرار، والأحزاب مؤسسات فاعلة، والحكومات مسؤولة أمام ممثلي الشعب.
فالديمقراطية لا تنتهي عندما يضع المواطن صوته في صندوق الاقتراع؛ بل تبدأ عندها مسؤوليته الحقيقية في اختيار من يحكم، والتأثير في القرار، والمحاسبة على الإنجاز.

