رسالة إلى نواب حزب الأمة:
من سياسة ردّ الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة وصناعة القرار
صراحة نيوز – بقلم: نضال فايز البيك
الإقصاء السياسي لا يُواجه بالشكوى وحدها، والتهميش لا يُكسر بالعتب أو الانسحاب من المشهد، بل بالقدرة على إعادة ترتيب الأوراق، وامتلاك أدوات التأثير، وبناء التحالفات، وتحويل الحضور النيابي من مجرد أرقام إلى قوة سياسية يصعب تجاوزها.
رسالتي إلى نواب حزب الأمة واضحة: لا تجعلوا أنفسكم أسرى لمعادلة الإقصاء، ولا تنتظروا من الآخرين أن يمنحوكم مساحة في المشهد السياسي، بل بادروا إلى صناعة هذه المساحة وانتزاع حقكم في المنافسة والمشاركة من خلال الأدوات الديمقراطية والتفاهمات السياسية المشروعة.
أولاً: افهموا طبيعة الإقصاء ولا تكتفوا بوصفه.
هناك فرق بين الإقصاء والتهميش؛ فالإقصاء يعني استبعاد طرف سياسي من المشاركة في صناعة القرار، أما التهميش فيعني إبقاءه حاضراً شكلياً دون منحه التأثير الذي يستحقه.
والخطر الأكبر أن يتحول الإقصاء إلى واقع يفرض على الطرف المستهدف الاكتفاء بالاعتراض والدفاع عن نفسه، بدلاً من الانتقال إلى المبادرة والمنافسة.
ثانياً: وحّدوا موقفكم وامتلكوا قراركم.
القوة الحقيقية تبدأ من وحدة الموقف الداخلي، ومن التعامل مع أصوات الكتلة باعتبارها ورقة سياسية واحدة، لا أصواتاً متفرقة يسهل التأثير عليها أو استقطابها.
لا تسمحوا بأن تتحول الخلافات في وجهات النظر إلى ثغرات تُضعف موقفكم التفاوضي، فالتعدد في الرأي مطلوب، لكن القرار النهائي يجب أن يستند إلى مصلحة الحزب ومكانته السياسية.
ثالثاً: الاختراق السياسي هو الطريق لتجاوز الإقصاء.
لا أقصد بالاختراق الالتفاف على الآخرين أو تجاوز القواعد الديمقراطية، بل كسر الحواجز السياسية والتحرك خارج التحالفات المغلقة، وفتح قنوات اتصال مع مختلف الكتل والنواب والمرشحين.
اقرأوا التناقضات بين المرشحين، وافهموا طبيعة المصالح الانتخابية، وحددوا نقاط الالتقاء والاختلاف، واستثمروا المساحات المتاحة لبناء تفاهمات جديدة.
لا تحصروا خياراتكم في مرشح واحد، ولا تمنحوا دعمكم مسبقاً دون مقابل سياسي واضح، بل اجعلوا دعمكم مرتبطاً بضمانات حقيقية للمشاركة في المكتب الدائم واللجان النيابية ومواقع التأثير، وفق تفاهمات مسؤولة وواضحة.
رابعاً: حوّلوا أصواتكم من أرقام إلى قوة ترجيح.
الصوت النيابي ليس مجرد ورقة توضع في صندوق الاقتراع، بل أداة تأثير في صناعة التوازنات.
قد تكون أصوات كتلة محدودة العدد هي العامل الحاسم في ترجيح كفة مرشح على آخر، أو تغيير مسار التفاهمات الانتخابية.
وهنا تكمن أهمية التوقيت وحسن قراءة المشهد؛ فلا تكونوا آخر من يعرف نتائج التفاهمات، بل كونوا طرفاً فاعلاً في صياغتها.
خامساً: لا تبحثوا عن حصة فقط، بل عن شراكة حقيقية.
المطلوب ليس مجرد الحصول على موقع في المكتب الدائم أو لجنة نيابية، وإنما تثبيت مبدأ أن المشاركة السياسية حق، وأن التعددية لا تكتمل بإقصاء طرف أو تهميش كتلة.
قدّموا أنفسكم باعتباركم قوة سياسية مسؤولة، تمتلك رؤية وبرنامجاً ومواقف وطنية، وقادرة على بناء التوافقات وخدمة العمل البرلماني.
فالمواقع لا تُمنح دائماً، بل تُنافس عليها، والحضور السياسي لا يُفرض بالشعارات، بل بالفعل والقدرة على التأثير.
سادساً: لا تجعلوا الاختلاف مع الآخرين خصومة دائمة.
السياسة ليست معركة كسر عظم، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات الانتخابية إلى قطيعة سياسية. اختلفوا اليوم، وتفاهموا غداً، وتحالفوا عندما تلتقي المصالح والمواقف، مع الحفاظ على استقلالية قراركم ومصداقية مواقفكم.
فالتحالفات السياسية ليست زواجاً دائماً، وإنما تفاهمات تحكمها المصالح الوطنية والبرامج المشتركة والاحترام المتبادل.
الرسالة الأخيرة
أعضاء كتلة حزب الأمة النيابية الأفاضل،
لا تنتظروا أن يتغير الآخرون حتى يتغير موقعكم في المعادلة السياسية. ولا تتركوا زمام المبادرة لمن قد لا يرغب في وجودكم شريكاً حقيقياً.
إذا شعرتم بالإقصاء، فواجهوه بالمبادرة. وإذا وجدتم الأبواب مغلقة، فابحثوا عن مسارات أخرى. وإذا حاول البعض تجاوزكم، فأعيدوا ترتيب أوراقكم بما يجعل حضوركم مؤثراً في حسابات الجميع.
لا تكونوا طرفاً ينتظر التوافق، بل طرفاً يصنع التوافق. ولا تكونوا رقماً في حسابات الآخرين، بل رقماً يغيّر الحسابات.
إن الاختراق السياسي الذكي لا يعني الانسحاب من المعركة ولا التصعيد غير المحسوب، بل يعني امتلاك المرونة والشجاعة والقدرة على قراءة المشهد، واستثمار الفرص، وتغيير موازين التفاوض بالوسائل الديمقراطية.
تذكّروا أن من لا يمتلك زمام المبادرة سيبقى ينتظر ما يقرره الآخرون، أما من يعرف قيمة أوراقه ويحسن توظيفها، فإنه يستطيع الانتقال من موقع التهميش إلى موقع الشراكة والتأثير.
الإقصاء لا يُهزم بالشكوى، والتهميش لا يُكسر بالعتب، بل بالوحدة والذكاء السياسي والتحالفات المدروسة وامتلاك أوراق القوة.
هذه ليست دعوة إلى مواجهة أحد، بل دعوة إلى إثبات أن حزب الأمة حاضر وقادر على المنافسة، وأن الشراكة السياسية لا تُطلب من موقع الضعف، بل تُصنع من موقع القوة والمسؤولية.

