صراحة نيوز – برلين- لم تعد مخاوف الشباب الألمان مقتصرة على الامتحانات وفرص العمل. فبين مدارس متهالكة، وتكاليف معيشة متصاعدة، ومخاوف من العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع، مطالبين بحقهم في المشاركة في القرارات التي ترسم مستقبلهم.
وتأتي المظاهرات الألمانية في سياق موجة احتجاجات شبابية أوسع تجتاح دولاً أوروبية، تتقدمها فرنسا، حيث تحولت المطالب بتحسين التعليم إلى حراك اجتماعي واسع، رافقته مواجهات مع الشرطة. فهل تشهد أوروبا بداية يقظة سياسية لجيل طالما اتُّهم بالانشغال بهواتفه ووسائل التواصل الاجتماعي؟
وشهدت أكثر من ثلاثين مدينة ألمانية مظاهرات دعت إليها مبادرة شبابية تحمل اسم “Gen Z regelt”، ويمكن ترجمة اسمها إلى “جيل زد يتولى زمام الأمور”. وتوزعت الاحتجاجات بين برلين وهامبورغ وكولونيا وفرانكفورت وميونيخ ومدن أخرى، ورفعت مطالب تتعلق بالتعليم والسكن والرعاية الصحية والمناخ، إلى جانب رفض التجنيد الإجباري.
وقالت المبادرة المنظمة إن نحو 120 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات، وهو تقدير لم تؤكده حصيلة وطنية موحدة ومستقلة، فيما أشارت التغطيات الإعلامية إلى أن أعداد المشاركين جاءت أقل من توقعات المنظمين. ورغم أن المظاهرات جرت بصورة سلمية في معظمها، شهدت عدة مدن أعمال عنف ومواجهات مع الشرطة، خصوصاً بعد انتهاء التجمعات الرئيسية.
غير أن اللافت في هذه الموجة ليس حجم المشاركة وحده، بل طبيعة المطالب واتساع نطاقها. فالشباب الذين اعتادوا النزول إلى الشوارع دفاعاً عن المناخ باتوا يجتمعون تحت شعار واحد حول قضايا تبدو متباعدة، لكنها تعبّر، بالنسبة إليهم، عن أزمة واحدة: شعور متزايد بأن الأجيال الأكبر سناً تتخذ قرارات بعيدة المدى، فيما سيضطر الأصغر سناً إلى تحمّل عواقبها.
ألمانيا وفرنسا.. احتجاجات ومسارات مختلفة
لا يمكن فهم المظاهرات الألمانية بمعزل عن المشهد الأوروبي، ولا سيما في فرنسا، التي سبقتها بأسابيع في موجة تعبئة شبابية واسعة. ففي فرنسا، بدأت الاحتجاجات خلال سبتمبر/أيلول من المدارس الثانوية، اعتراضاً على نقص المعلمين وتردّي المباني التعليمية ونظام القبول الجامعي المعروف باسم “Parcoursup”، قبل أن تتحول تدريجياً إلى حركة اجتماعية أوسع، شارك فيها طلاب جامعات ونقابات عمالية وجماعات احتجاجية أخرى.
غير أن الفارق بين البلدين لا يتعلق بالمطالب وحدها، بل أيضاً بمدى اتساع الحركة وتنظيمها وطبيعة الاستجابة السياسية لها.
ففي فرنسا، تداخل الحراك الطلابي مع مطالب تتعلق بالأجور والقدرة الشرائية، واحتجاجات على سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون، كما استفاد من مشاركة النقابات والحركات الاجتماعية القائمة. وأعلنت الحكومة الفرنسية تدابير تتعلق بمعالجة نقص المعلمين وتعزيز المشاركة الطلابية، من دون أن تنهي بذلك موجة الاحتجاجات.
أما في ألمانيا، فلا تزال الحركة في مرحلة اختبار قدرتها على بناء تحالفات مستقرة، في ظل خلافات بين بعض الجهات المنظمة والهيئات الطلابية، وتفاوت مستويات المشاركة بين المدن.
شباب: لم نعد نشعر بأن أحداً يستمع إلينا
خلف الشعارات الكبيرة، تكشف مقابلات أجرتها صحيفة “القدس العربي” ووسائل إعلام ألمانية مع مشاركين في الاحتجاجات عن مخاوف شخصية تتجاوز الخطاب السياسي المعتاد.

في مدينة فوبرتال، غربي ألمانيا، تحدث كونّي شميتس، البالغ من العمر 16 عاماً، إلى إذاعة غرب ألمانيا “WDR” عن الأسباب التي دفعته إلى المشاركة في تنظيم المظاهرات. وقال إن المدارس تعاني نقص التمويل، فيما تتراجع خدمات مساعدة الشباب الذين يعانون الإدمان، ويصعب الحصول على العلاج النفسي، في وقت تُخصص فيه مليارات اليوروهات لتعزيز القدرات العسكرية.
أما ماري هاكر، البالغة من العمر 17 عاماً، والناشطة في التمثيل الطلابي بمدينة كولونيا، فتحدثت للإذاعة نفسها عن غضبها من نقص المعلمين، وضغوط التحصيل الدراسي، والمباني المدرسية التي تحتاج إلى الترميم. لكنها رأت أيضاً في الاحتجاجات فرصة لاستعادة الأمل بإمكانية إحداث تغيير جماعي.
أما ألفريده، الطالبة في تخصص الخدمة الاجتماعية بجامعة كولونيا، فقالت في مقابلة مع “القدس العربي”: “كنت أعتقد أن السياسة شيء بعيد عن حياتي. لكن عندما أبحث عن غرفة للسكن ولا أجد، وعندما تتأخر القطارات يومياً، وأرى مدارس تحتاج إلى الترميم، أفهم أن هذه الأمور مرتبطة بالقرارات السياسية. نحن لا نطلب حياة فاخرة، بل فرصة طبيعية لنبدأ حياتنا”.
وعن العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، قالت: “أفهم أن الوضع الأمني في أوروبا تغير، ولا أعتقد أن الدفاع عن البلاد أمر غير مهم. لكن ما يزعجني هو أن السياسيين يتحدثون عنا وكأننا مجرد أرقام يحتاج إليها الجيش. يجب أن يسمعوا آراءنا أولاً. لا يمكن أن تطلب من شاب أن يستعد للحرب وأنت لا تستطيع أن تضمن له مكاناً مناسباً للدراسة”.

أما لينا ماري شولتسه، البالغة من العمر 14 عاماً، فربطت مشاركتها بالخوف من امتداد الحرب إلى ألمانيا، وبقلقها من صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني الشعبوي. وتوضح شهادتها أن مخاوف الجيل الشاب لا تقتصر على التعليم والاقتصاد، بل تشمل أيضاً الأمن والتحولات السياسية.
فلسطين حاضرة في احتجاجات برلين
لم تقتصر المظاهرات على المطالب المحلية، إذ رُفعت أعلام فلسطينية خلال بعض التجمعات، وشارك ناشطون مؤيدون للفلسطينيين في مسيرات شهدتها مدن ألمانية.
وفي برلين، تحدثت مجموعة من الشابات، تتراوح أعمارهن بين 19 و20 عاماً، إلى شبكة “يورونيوز”، موضحات أن مشاركتهن جاءت تضامناً مع الاحتجاجات الأوروبية، ومطالبة بزيادة الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية.
وقالت إحداهن إن قضايا الحرب والتسلح ترتبط أيضاً بما يحدث في الشرق الأوسط، معتبرة أن المجتمع الألماني يتحمل مسؤولية أخلاقية عن الأسلحة التي تُنتج في ألمانيا وتُستخدم ضد المدنيين في غزة والضفة الغربية.

من جانبه، عبّر ناصر، وهو طالب من أصول فلسطينية يبلغ من العمر 24 عاماً ويقيم في برلين، عن إحباطه من الأوضاع المعيشية التي يواجهها الشباب في ألمانيا، موضحاً، في حوار مع “القدس العربي”، أن مشاركته في الاحتجاجات جاءت نتيجة شعوره بتراجع فرص الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى ناصر أن الشباب العرب يواجهون تحديات إضافية إلى جانب المشكلات الاقتصادية التي يشتركون فيها مع أقرانهم الألمان، مشيراً إلى أن اللغة والأصل وحتى الاسم قد تؤثر أحياناً في فرص الحصول على وظيفة أو استئجار مسكن. ويقول إن بعض الشباب من أصول مهاجرة يشعرون بأن عليهم بذل جهد مضاعف لإثبات أنفسهم، مؤكداً أنه لا يعمم هذه التجارب على المجتمع الألماني، لكنه يرى أن الشعور بالاختلاف لا يختفي بسهولة.
ولا يفصل ناصر بين مطالبه المعيشية وموقفه من السياسة الألمانية تجاه فلسطين، موضحاً أن أصوله الفلسطينية تجعل ما يجري في غزة حاضراً في تفكيره. وينتقد زيادة الإنفاق على التسلح في وقت تعاني فيه المدارس والجامعات نقص الموارد، متسائلاً عن سبب عدم التعامل مع التعليم والحياة الكريمة باعتبارهما جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن، إلى جانب الدفاع العسكري.
ثقة بين جيلين أم خلل في التمثيل السياسي؟
من جهتها، أكدت سابينه بوليغ، أستاذة التربية الاجتماعية في جامعة ترير، في مقابلة مع إذاعة جنوب غرب ألمانيا “SWR”، أن الشباب يشكلون أقلية ديموغرافية في المجتمع الألماني، ويشعرون بأنهم مستبعدون من القرارات التي تؤثر في مستقبلهم. وربطت الباحثة غضب الشباب بتراكم أزمات متعددة، بدءاً من جائحة كورونا والضغوط النفسية المرتبطة بها، مروراً بالتغير المناخي وعدم الاستقرار السياسي، وصولاً إلى التحولات التي يشهدها سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي.
وترى بوليغ أن المحتجين لا يطالبون بالضرورة بتغيير جذري للنظام السياسي، بل بما يفترض أن يضمنه العقد الاجتماعي بين الأجيال، أي الاستثمار في حاضرهم ومستقبلهم.
وفي قراءة أخرى للاحتجاجات، رأى رئيس تحرير صحيفة “بيلد” الألمانية، روبرت شنايدر، في تعليق نشره الأحد، أن مخاوف الشباب لا تقتصر على المشاركين في المظاهرات، بل تمتد إلى شريحة واسعة من الجيل الجديد الذي يشعر بالقلق حيال مستقبله. وأشار إلى أن التراجع الاقتصادي في ألمانيا والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يثيران تساؤلات لدى الطلاب والمتدربين بشأن فرص العمل التي تنتظرهم، إلى جانب أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور المدارس ووسائل النقل العام.
واعتبر شنايدر أن الحل لا يكمن في زيادة الإعانات الاجتماعية أو تقليص الإنفاق العسكري، كما طالب بعض المتظاهرين، بل في استعادة فرص النمو الاقتصادي ومنح الشباب تأثيراً أكبر في القرارات السياسية. وحذّر من أن حزبي الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي قد يفقدان صلتهما بالأجيال الشابة إذا لم يفسحا لها مجالاً أوسع داخل مؤسساتهما وبرامجهما.
وخلص إلى أن التحدي الحقيقي أمام السياسة الألمانية يتمثل في استعادة الوعد الذي قامت عليه تجربة الرفاه لعقود، ومفاده أن التعليم والعمل والاجتهاد يمكن أن تفتح أمام الأجيال الجديدة أبواب التقدم وتحسين مستوى المعيشة

