صراحة نيوز – رامي المشاقبة يكتب..
من برر وصفق لقتل انسان في سوريا يوم الأمس لن يتاثر بإنسان قتل في الأردن اليوم.. لا تخدعكم دموع التماسيح
هذه ليست مبالغة، ولا شتيمة عابرة، بل هي الحقيقة العارية التي يحاول البعض تغطيتها بدموع التماسيح ومنشورات الحزن الانتقائية.
هناك نوع من البشر صنع لنفسه إنسانية على المقاس. إنسانية تُشغَّل وتُطفأ حسب الهوية والجنسية والولاء السياسي.
يبكي على قتيل في عمّان ويكتب عنه القصائد، بينما كان بالأمس يصفق لبراميل تقصف الأطفال في حلب، ويبرر الاعتقال والتعذيب والإبادة في سوريا بحجة “السيادة” و”مقاومة المؤامرة” و”الحرب على الإرهاب”.
أي انحراف فكري هذا الذي يجعل القتل جريمة في بلد، وبطولة في بلد آخر؟ أي ضمير هذا الذي يرتجف لجثة واحدة هنا، بينما يضحك على آلاف الجثث هناك؟
إنها ليست إنسانية، بل تمثيل رخيص.
إنسانية مصطنعة تُستخدم كسلاح دعائي، تُشهر في وجه الخصم وتُخفى عن الحليف المجرم.
صاحبها لا يؤمن بحرمة الدم، بل يؤمن بحرمة الدم الذي يخدم روايته فقط.
من سقط في امتحان سوريا، سقط في امتحان الإنسانية كله. من اعتاد أن يرى الإنسان السوري رقماً، أو “إرهابياً محتملاً”، أو “ضحية جانبية ضرورية”، لا يمكن أن يعود فجأة إنساناً كاملاً أمام ضحية أردنية.
الضمير لا يتجزأ. إما أن تكون ضد القتل كله، أو أن تكون شريكاً فيه كله.
لهذا لا تنخدعوا ببكائهم المفاجئ. ولا تصدقوا حزنهم الموسمي. من برر قتل إنسان في سوريا ودعم نظاماً مجرماً، لا يملك أصلاً قلباً ليتأثر.
ما يملكه هو لسان يتقن البكاء عند الحاجة، وعقل منحرف يرى القاتل بطلاً إذا كان قاتله، ومجرماً إذا كان قاتل غيره.
الإنسانية ليست شعاراً نرفعه عند المصلحة، ولا دمعة نذرفها أمام الكاميرا. الإنسانية موقف واحد، ومبدأ واحد، وحقيقة واحدة: الدم كله حرام، والقاتل كله مجرم، والقاتل في دمشق لا يختلف عن القاتل في عمّان، إلا في عيون المنحرفين فكرياً.
*التطرف له أنواع عدة، وليس نوعاً واحداً*
يظن البعض أن التطرف هو فقط من يحمل السلاح ويقتل باسم الدين. هذا تضليل متعمد. التطرف الحقيقي هو كل فكر يلغي الآخر، ويحتكر الحقيقة، ويحارب الناس في حياتهم وقيمهم.
هناك تطرف دموي يقتل الجسد، وهناك تطرف فكري يقتل الروح والهوية، وهو لا يقل خطراً عنه.
من التطرف أن تحارب الناس في دينهم، وتسخر من صلاتهم وحجابهم ولحاهم ومساجدهم، ثم تدّعي أنك تحارب التطرف.
من التطرف أن تطالب بمنع الأذان، ومنع الحجاب في المدارس والجامعات، ومنع مظاهر التدين في الشارع والعمل، بحجة “المدنية” و”الحرية”، بينما حريتك أنت تعني قمع حرية غيرك.
من التطرف أن تصف كل متدين بأنه متخلف ومتطرف وإرهابي محتمل، فقط لأنه يتمسك بقيمه، وتريد فرض نمط حياة واحد على مجتمع كامل.
من التطرف أن تحول معركتك من مواجهة القتلة والمجرمين إلى مواجهة المصلين والصائمين والمحجبات، فتترك من يبرر قتل الابرياء ويدعم الأنظمة المجرمة، وتلاحق شاباً لأنه أطلق لحيته أو فتاة لأنها اختارت حجابها.
ومن التطرف أيضاً محاربة دور العبادة والقرآن والتعليم والقيم والعادات والتقاليد والأعراف.
محاربة المساجد والكنائس، والاستهزاء بالقرآن، وتشويه التعليم، والطعن في القيم، والسخرية من العادات والتقاليد والأعراف التي تربى عليها المجتمع جيلاً بعد جيل، كل ذلك تطرف واضح لا لبس فيه.
هؤلاء لا يريدون حرية، بل يريدون فرض الانحلال والمرض الفكري الذي يتبنونه على مجتمع بأكمله.
يريدون مجتمعاً بلا دين، بلا قيم، بلا حياء، بلا عادات تحفظه، بلا أعراف تضبطه، مجتمعاً منحلاً سهل القيادة وسهل الاختراق، يتبنى أمراضهم الفكرية على أنها تقدم، وانحلالهم على أنه حرية.
ومن التطرف أيضاً أن تطعن بالدستور وتريد إلغاء دين الدولة الذي خطه الأردنيون بدمائهم وتضحياتهم.
الدستور ليس ورقة عابرة، بل عهد وميثاق خطه الأردنيون بدمائهم وتضحياتهم، ودين الدولة فيه هو هوية الوطن وروحه.
فمن يطالب بإلغائه والتعدب عليه لا يطالب بإصلاح، بل يطالب بهدم الهوية من جذورها.
هؤلاء يجاهدون بالعمالة والخيانة لفرض إملاءات الخارج والصهيونية العالمية، ويحاولون فرض ما يريده الخارج على مجتمع بأكمله، ولو كان ذلك على حساب الدين والوطن والكرامة.
هؤلاء لا يحاربون التطرف، بل يمارسونه في أبشع صوره. تطرف علماني متوحش، يرى التدين خطراً، ويرى القيم عائقاً، ويرى المجتمع المتدين مشروعاً يجب تفكيكه.
هم وجه آخر للانحراف الفكري نفسه: إنسانية مصطنعة تدّعي الدفاع عن الحرية، وهي أول من يذبح الحرية إذا كانت حرية دينية. يدّعون الدفاع عن الإنسان، وهم أول من يبرر سحق الإنسان إذا كان متديناً وشريفا، ويسكتون عن قتله إذا كان يخالف توجهاتهم .
التطرف ليس لحية ولا حجاباً.
التطرف هو أن تريد منع الناس من أن يكونوا أنفسهم، وأن تفرض عليهم دينك الجديد: دين الكراهية للتدين، وعبادة القمع باسم الحداثة.
*أدوات الأنظمة الخارجية والصهيونية*
أما الذين يدّعون التنويرية والعلمانية ويضحكون علينا بالشعارات الكاذبة، فما هم إلا أدوات للأنظمة الخارجية والصهيونية.
يخرجون علينا كل يوم بشعارات الحرية والتنوير والعقلانية، وهم في الحقيقة أبواق مأجورة لوظيفة واحدة: تفكيك المجتمعات من الداخل.
هدفهم ليس الإصلاح، بل إثارة الفتن والتفريق.
يزرعون الشك بين أبناء المجتمع الواحد، ويشعلون حرباً على القيم والدين والهوية، حتى يصبح المجتمع ممزقاً، ضعيفاً، منشغلاً بنفسه، عاجزاً عن مواجهة أي خطر حقيقي.
وعندما يضعف المجتمع ويتفكك، يصبح سهلاً أمام الاحتلال الذي يتوسع وينتشر.
الاحتلال لا يحتاج أن يحارب شعباً متماسكاً بقيمه ودينه وهويته، بل يحتاج شعباً مفككاً، تائهاً، يكره نفسه، ويحارب تدينه، ويحتقر تاريخه.
لهذا تراهم يصمتون أمام جرائم الاحتلال، ويبررون قتل السوريين، ويهاجمون كل من يتمسك بدينه وقيمه.
لأن معركتهم ليست مع كل ما يجعل هذه الأمة قوية وموحدة.
إنها ليست تنويرية، بل تدميرية. وليست علمانية، بل عمالة مقنّعة. شعاراتهم كاذبة، وهدفهم واضح: مجتمع ضعيف، مفكك، منقسم، يسهل ابتلاعه.
حمى الله الأردن والأردنيين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
حمى الله هذا الوطن الذي احتضن الجميع، ووقف شامخاً رغم كل العواصف، من دعاة الفتنة الذين يريدون تحويله إلى ساحة صراع، ومن المنحرفين الذين يريدون تمزيق نسيجه باسم الحرية والتنوير.
اللهم اجعل الأردن آمناً مطمئناً، واحفظ أهله من كل شر، ووحّد قلوبهم على الحق، ولا تجعل للفتنة فيهم مكاناً، ولا للمتربصين بهم سلطاناً.

